الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













تاريـــخ معــاداة  اليهـــود  منــذ القـــرن الثامـــن عشـر

History of Anti-Semitism since the Eighteenth Century

تتمثل السمة الأساسية في أدبيات معاداة اليهود في العصر الحديث أن تُنسَب إلى اليهودي صفات خفية ثابتة لصيقة به لا يمكنه التخلص منها إذا شاء أن يفعل. فبينما كان بوسع اليهودي في الماضي أن يتخلص من هويته تماماً عن طريق التنصر ودخول الكنيسة التي كانت تفتح له دائماً ذراعيها، فإن هذا البديل لم يَعُد مطروحاً في العصر الحديث، مع ظهور النظريات المادية التفسيرية (للإنسان والكون) التي تفسر الكون في إطار مجموعة من القوانين المادية الحتمية التي تخضع لها الظاهرة. إذ أن سمات اليهودي وخصائصه أصبحت خصائص وراثية وسمات بيولوجية ذات جذور مادية عرْقية ومن ثم لا يمكنه الفكاك منها مهما بذل من جهود. بل إن اندماج اليهود، ورغبة بعضهم في الهرب من يهوديتهم تشبُّهاً بالأغلبية، هما في الواقع (حسب الرؤية الحديثة لمعاداة اليهود) مؤشرات على نجاحهم في التخفي والتمسك بالهوية!

ويمكننا أن نقول إن ثمة أسباباً كثيرة أدَّت مجتمعة إلى تَفجُّر موجة معاداة اليهود في أواخر القرن الماضي:

1 ـ  أدَّت الثـورة الصـناعية والثـورة الليبرالية، وظهـور الـدولة القـومية، إلى فقـد اليهـود لدورهم التقلـيدي كجماعة وظيفية وسيطة، إذ ظهرت طبقات محلية يمكنها أن تضطلع بهذا الدور. كما أن الدولة القومية استوعبت كثيراً من الوظائف التي كان يقوم بها أعضاء الجماعة. وقد تحوَّل معظم أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب إلى طبقة وسطى في نهاية الأمر، ولكن الفجوة الزمنية بين الفترتين أدَّت إلى تَفجُّر مشاعر الكراهية ضد قطاع بشري لم يَعُد له أي نفع ولم يكتسب وظائف جديدة بعد.

2 ـ  تكتسب الدولة القومية شرعيتها من التاريخ المشترك والثقافة المشتركة. ويستند النقد الاجتماعي العلماني (للمجتمع الإقطاعي والديني) إلى هذين العنصرين، ومن ثم يتحدد الانتماء أو عدم الانتماء بمقدار مشاركة المواطن في هذا التاريخ والثقافة. وقد كانت الجماعات اليهودية عادةً ذات هوية مستقلة نوعاً عن محيطها الثقافي، الأمر الذي كان يجعلها تقع معنوياً خارج دائرة العقد الاجتماعي مع أنها كانت فعلياً داخل دائرة المجتمع، وهو ما ولَّد كثيراً من العداء تجاه أعضاء الجماعات اليهودية.

3 ـ  تعثُّر التحديث في وسـط أوربا وشرقها في نهاية القرن التاسع عشـر.

4 ـ  وجود أغلبية يهود العالم في أوربا الشرقية (يهود اليديشية) في بلاد لم تَسُد فيها المُثُل القومية الليبرالية، وفي مناطق حدودية مُتنازَع عليها، وفي روسيا (البلد الذي كانت تحكمه بيروقراطية متخلفة لا تفهم وضع اليهود).

5 ـ  ارتباط اليهود بالحركات الثورية العلمانية اليمينية واليسارية. فقد كان اليهود رمزاً واضحاً للمجتمع الصناعي الرأسمالي الجديد، وبالتالي أصبحوا هدفاً للجماهير التي اقتلعها الاقتصاد الجديد وألقى بها في المدن والمصانع للعمل تحت ظروف غير إنسانية. ومن ثم أصبح اليهودي بالنسبة إلى البورجوازيات الصغيرة الضعيفة، في كلٍّ من ألمانيا وبولندا وروسيا، هو العائق الأساسي الذي يقف حجر عثرة في طريق نموها الاقتصادي لأنه غريم قوي. كما كان الجميع يرون في اليهودي يسارياً ثورياً يهدد المجتمع من أساسه. ويبدو أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعات اليهودية انضموا للأحزاب الشيوعية الحاكمة في روسيا وشرق أوربا، واشتركوا في عمليات قمع المعارضة التي قامت بها الأحزاب الشيوعية الحاكمة، فارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في الذهن الشعبي بهذه النظم. ورغم عدم وجود يهود في كثير من بلاد أوربا الشرقية، إلا أن العداء لليهود لا يزال مستمراً بسبب العداء الراسخ للشيوعية.

6 ـ  مع الإعتاق السياسي والاقتصادي لليهود، لم تعد الجماعة اليهودية جماعة وسيطة مغلقة تعيش في مسام المجتمع داخل الجيتو ويمكن التسامح معهما، بل خرج أعضاؤها إلى المجتمع ليلتحموا بالبناء الطبقي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، وقد حققوا حراكاً اجتماعياً وطبقياً كبيراً، وانتشروا بأعداد كبيرة في أنحاء أوربا بسبب الانفجار السكاني الضخم بينهم. وأدَّى كل هذا إلى احتكاك واسع المدى بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين بعض قطاعات المجتمع تحت ظروف لم تكن مواتية تماماً بسبب الثورة الصناعية التي حرمت الملايين من الأمن التقليدي الذي كانوا يتمتعون به في المجتمع الزراعي.

7 ـ  انتشر اليهود في المجتمعات الغربية بعد أن ضعفت هويتهم وقيمهم الدينية، وبعد أن اقتُلعوا من محيطهم الثقافي المألوف لهم. ولذا، كانت تنتشر بينهم ظواهر مثل الغش والسرقة، الأمر الذي عزز من الصور الإدراكية السلبية عنهم.

8 ـ  أصبح كثير من اليهود ممن يمكن تسميتهم «يهود غير يهود»، أي يهود ليس فيهم من اليهودية سوى الاسم، فقد تآكلت هويتهم الدينية والإثنيـة تماماً، ومع هذا اسـتمرت المجتمـعات الغربية في تصنيفهم يهوداً. وهذا أمر جعل الناس يشعرون أن اليهود يوجدون في كل مكان وزمان.

9 ـ  هؤلاء اليهود غير اليهود كان لابد من تعريفهم بطريقة ما. وقد تم تعريفهم بطريقة عرْقية مجردة حيث كان التعريف الديني التقليدي غير ممكن. فالعنصر المشترك بين الشحاذ اليهودي من شرق أوربا والموسيقار اليهودي من غربها والتاجر اليهودي من وسطها، لم يكن الدين أو حتى هوية قومية بعينها، وإنما كان خاصية مادية عرْقية افتراضية كامنة غير ظاهرة ولا واضحة المعالم، وهي الخاصية البيولوجية اليهودية التي كان الجميع يفترضون وجودها برغم عدم ظهورها.

10 ـ  من المفارقات التي تستحق التسجيل أنه مع تزايد الحقوق المعطاة لأعضاء أية أقلية يزداد العداء لها؛ ذلك لأن الأقلية حينما يتم حصرها تلزم مكانها، وحينما تتم عملية القمع بموجب القانون أو بحكم البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع، يقل العنف الفردي إذ تتكفل المؤسسات بعملية العنف. ومن هنا، لم تكن ثمة عمليات اختطاف وشنق للزنوج في جنوب أفريقيا في حين كانت هذه الظاهرة منتشرة في الولايات المتحدة، ومن هنا أيضاً كان خلو إسرائيل من العنف الشخصي (على الأقل حتى نشوب الانتفاضة). وقد تزايد الكره الفردي الموجه لليهود مع تزايد معدلات الإعتاق والعلمنة. كما تزايد الهجوم عليهم لأنه هجوم على خطر خفي غير ظاهر، إذ أن اليهودي المندمج لا يتصرف كما يتصرف اليهودي بشكل يسهل رصده، وإنما يتصرف بشكل " طبيعي " باعتباره فرداً عادياً في المجتمع، الأمر الذي يجعل من رصده عملية مستحيلة.

11 ـ  ظهور الإمبريالية الغربية، والنظريات العرْقية والداروينية التي صاحبتها، والتي جعلت من الصراع حقيقة أساسية في الوجود الإنساني وقبلت القوة العضلية معياراً أساسياً.

12 ـ  من أهم أسباب تزايد مشاعر العداء لليهود الانفجار السكاني بين يهود اليديشية في شرق أوربا في وقت سادت فيه أفكار مالتوس وزاد الحديث عن وجود فائض سكاني لابد من التخلص منه. وقد صدَّرت شرق أوربا ملايين اليهود إلى وسطها وغربها وإلى الولايات المتحدة. وكان يهود شرق أوربا كتلة متميِّزة متخلفة متحللة، وكان وصولهم يصعِّد مشاعر الكراهية ضدهم. وكان السكان لا يميِّزون بين اليهود الوافدين واليهود الأصليين إذ أن الجميع مجرد «يهود». ولم يكن الوافدون يهوداً وحسـب، وإنما أجانب وغرباء أيضـاً. وكان اليهـود مرتبطين أحياناً بالعدو، كما هو الحال في فرنسا، وخصوصاً في الألزاس واللورين، فاليديشية التي كانوا يتحدثون بها كانت رطانة ألمانية.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الرابع من المجلد الثاني