الحدودية كتعبير عن وظيفيـة الجماعات اليهوديـة
Peripherality as Manifestation of the Functionality of the Jewish Communities
«الحدودية» مصطلح يُعبِّر عن نموذج ذي مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية، إذ يرصد ويُفسِّر إحدى السمات الأساسية للجماعات اليهودية، ويُقصَد به وجود أعداد ملحوظة منها « على الحدود »، إما بالمعنى الجغرافي (المكان) أو بالمعنى التاريخي (الزمان)، وهو ما يُعبِّر عن وضعها كجماعة وظيفية. فمن الناحية الجغرافية، يُلاحَظ وجود أعضاء الجماعات اليهودية على أطراف أو حدود الدول أو في مناطق تقع بينها أو في الموانئ البحرية أو في الموانئ التجارية التي تكون محطات ومراكز برية أو في جيتو خاص. أما من الناحية التاريخية، فيُلاحَظ ازدهار أعضاء الجماعات اليهودية في مرحلة تاريخية مؤقتة تقع بين مرحلتين. ويمكن أن تكون الحدودية وضعية بمعنى ألا يكون المثقف أو الرأسمالي من أعضاء الجماعات اليهودية منتمياً إلى مركز التجمع وإنما يكون على حدوده أو هامشه. والحدودية تُعبِّر عن وضع الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية تضطلع بوظائف خاصة (مشينة أو متميِّزة)، وهو ما يتطلب عزلها عن المجتـمـع، أو بوظائـف ريادية في الأماكـن النائـية والمجهولة. والحدودية الجغرافية يمكن أن توجد بدون الحدودية الوظيفية، والعكس صحيح أيضاً. لكن من الواضح أن الواحدة تقود إلى الأخرى، كما أن انفصالهما هو أمر مؤقت وتعبير عن الفجوة الزمنية التي تسم الظواهر الإنسانية.
وينبغي التنبه ابتداءً إلى أن هذه الصفة ليست صفة كامنة في بنية الطبيعة البشرية اليهودية أو لصيقة بها كما قد يتخيل البعض،فهي صفة مُكتسَبة يمكن تفسير كثير من جوانبها في إطار تاريخي واجتماعي.ويجب أيضاً أن نشير إلى أن ثمة جماعات يهودية عديدة لم تتصـف بصفـة الحدودية هـذه.فيهود بابل كانوا دائماً جزءاً من مجتمعهم،كما أن الأمريكيين اليهود أصبحوا جزءاً عضوياً من مجتمعهم لا يقفون على حدوده وإنما يتحركون داخله ويوجدون في صميمه.
ويمكن القول بأن صفة الحدودية هذه تنطبق بشكل عميق وأساسي على أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي، خصوصاً في شرق أوربا قبل الثورة الصناعية. ولأن وضع هذه الجماعات، كجماعات وظيفية، هو ما أفرز الصهيونية التي هيمنت إلى حدٍّ كبير على كل يهود العالم، وهذه الظاهرة تكتسب أهمية خاصة في الوقت الحاضر.
ويُلاحَظ أن أول ذكر للعبرانيين جاء فيه أنهم جماعات بدوية تنتقل من بلد إلى آخر، فتبقى إما على حدوده الفعلية، أو تدخل إليه للســقيا أو الاستقرار المؤقت. وهم بوصفهم بدواً رُحَّلاً يشكلون فئة اجتماعية تعيش على هامش المجتمع وفي ثغراته. وتدل الإشارات التي وردت في العهد القديم على أن العبرانيين كانوا يرابطون على حدود المدن، شأنهم شأن كثير من البدو الذين يحضرون للاتجار وتبادل السلع، أو يسيرون على طرق التجارة التي تمتد من مكان إلى آخر. وحينما نزل العبرانيون مصر، استوطنوا في جوش (محافظة الشرقية الآن)، وهي منطقة متاخمة لكل من شبه جزيرة سيناء وحدود مصر. ومن الواضح أنهم ظلوا اجتماعياً على حدود المجتمع، يعملون عبيداً أو بنائين، ولذا كان من الممكن طردهم. وبعد التغلغل العبراني في أرض كنعان، استقروا فيها، وهـي بلدة على الحـدود بين القوتين العظمـيين آنذاك: مصر وبلاد الرافدين. وتاريخ مملكة داود وسليمان هو تاريخ الانكماش المؤقت لهاتين القوتين، تماماً كما أن تاريخ الدويلتين العبرانيتين (المملكة الجنوبية والمملكة الشمالية) هو تعبير عن الصراع بين هاتين القوتين حينما عادت إليهما الحياة والقوة مرة أخرى. ومعنى ذلك أن وجود الدولة العبرانية والدويلتين العبرانيتين كان في مراحل زمنية مفصلية، أي في مرحلة حدودية بين مرحلتين إن صحَّ التعبير.
ويمـكن القـول بأن موقع فلسطين الجغرافي يجعل منها دولة حدودية. ولكن حدودية فلسطين ليست صفة جغرافية ثابتة وإنما صفة تاريخية عارضة. فحدودية فلسطين لا تظهر إلا مع تجزؤ المنطقة، وفي غياب قوة محلية تقوم بتوحيدها. فهي قريبة من حدود آسيا مع أفريقيا وتطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، وتُعَدُّ مدخلاً لبلدان وادي الرافدين ومفتاحاً للشام ومصر، وهي الطريق الذي يصل آسيا بأفريقيا ويربط مصر بإمبراطوريات الشرق. ولذا، نجد أن معظم الفاتحين منذ عهد الإسكندر (أول غاز غربي للشرق) كانوا يسعون للاستيلاء على فلسطين لتكون ركيزة مشروعهم الاستعماري. وقد كانت هدفاً عَبْر تاريخها للهجرات والغزوات ابتداءً من التسلل العبراني إلى كنعان الذي تزامن مع غزوة شعوب البحر (الفلستيين). كما كانت هدفاً للغزو الآشوري فالبابلي فالفارسي فاليوناني والروماني، ثم موضع صراع بين البطالمة والسلوقيين، ثم هدفاً لحروب الفرنجة. وقد قام بسماتيك الثاني (594 ـ 588 ق.م) بتوطين بعض الجنود العبرانيين المرتزقة في جزيرة إلفنتاين باعتبارهم جماعة وظيفية استيطانية قتالية. وكانت إلفنتاين تقع على حدود مصر الجنوبية وكانت ذات أهمية إستراتيجية خاصة، كما كانت مركزاً للمحاجر المصرية.
وتحوَّلت فلسطين، بعد أن ضمتها الإمبراطورية اليونانية، إلى مسرح للصراع بين السلوقيين والبطالمة. ومع بداية ظهور الرومان، تحالف معهم الحشمونيون، وتمكنوا من تأسيس دولتهم المستقلة في مرحلـة مفصلـية أو حدوديـة ثانيـة. وبعد أن ضمتها الإمبراطورية الرومانية، صارت فلسطين أحد مسارح الصراع بين الرومان والفرثيين الذين هيمنوا على بلاد الرافدين آنذاك. وقد ظهرت في تلك الفترة إمارة حدياب التي كانت إمارة حدودية تقع بين الدولة الفرثية والإمبراطورية الرومانية. لكن الصراع حُسم لصالح الرومان وقُضيَ على الإمارة اليهودية. وبهذا، أصبحت فلسـطين مقاطعة تابعة يحكمها الحاكم الروماني مباشـرةً.
وفي القرن الأول قبل الميلاد، بدأ اليهود يغادرون فلسطين في أعداد كبيرة وينتشرون في بقاع الأرض، ولكن هذا الانتشار تركَّز في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط. ولم تَعُد فلسطين المركز الديني أو السكاني لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم، لأنها أخذت تفقد الخاصية الحدودية.
وقد فقدت فلسطين حدوديتها تماماً بعد فترة الصراع بين البيزنطيين والفرس، حيث أصبحت جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري العربي الإسلامي. واستمر هذا الوضع حتى القرن الحادي عشر حيث جاءت حملات الفرنجة وتأسست ممالك الفرنجة في فلسطين. ولكن هذه الحملات فشلت في تحقيق هدفها وهو تحويلها إلى جزء من حدود أوربا في الشرق.
وبالمثل، تتسم بعض الجماعات اليهودية الأخرى في العالم بهذه «الحدودية». وإذا صدقنا دعاوى بعض المؤرخين القائلة بأن ملوك حمير قد اعتنقوا اليهودية في القرن السادس، أثناء صراعهم مع أباطرة إثيوبيا من الأقباط، فيمكننا اعتبار اليمن آنذاك منطقة حدودية تقع بين التشكيل الحضاري السامي الوثني في الجزيرة العربية وإثيوبيا المسـيحية المتحالفة مـع بيزنطة. وقد استوطن أعضاء الجماعات اليهـودية في الهند: في بومباي وجوا وكوشين، وكلها موانئ ومناطق للتجارة.
|