|
إن مشاكل الجماعات اليهودية متنوعة ونابعة من وجودها في مجتمعات مختلفة ذات مستويات مختلفة من التقدم والتخلف. ولكن استخدام اصطلاح «يهود» على إطلاقه لن يساعد كثيراً على التحليل والتفسير. ومن هنا، فإننا نرى أن كلاًّ من العقيدة اليهودية والهوية اليهودية هما، في واقع الأمر، عقائد وهويات تأخذ شكل تركيب تراكمي جيولوجي يحوي داخله طبقات غير متجانسة تعيش بعضها فوق بعض. (وإذا ما أطلقنا على هذا اسم «يهود» و«يهودية» لكان في الأمر تعسف وليٌّ لعنق الواقع لا يساعدان كثيراً على فهم الظاهرة). ولذا، فنحن نشير إلى العقائد وإلى الجماعات اليهودية، بحيث تؤكد كلمة «جماعات» على استقلال كل جماعة وعلى خضوعها لحركيات تاريخية وحضارية مختلفة.
كما أن لفظ «جماعة» أفضل من لفظ «طائفة» أو «أقلية». فلفظ «طائفة» يشير عادةً إلى طائفة دينية، بينما يؤكد لفظ «أقلية» الجانب الكمي للظاهرة. أما كلمة «جماعة»، فهي وإن كانت لا تؤكد الجانب الكمي (أي عدد اليهود كأقلية)، إلا أنها لا تستبعده تماماً. كما تتضمن فكرة أنها جزء من كل أكبر، كما أن كلمة «جماعة»، وهذا هو الأهم، تؤكد أن ثمة عناصر تُميِّز هذه المجموعة البشرية وأن هذه العناصر ليست دينية وحسب، فقد تكون حضارية أو ثقافية أو وظيفية. ونحن حين نستخدم اصطلاح «جماعة وظيفية»، فإننا نربط على مستوى المصطلح بين «الجماعـة اليهوديـة» و«الجماعـة الوظيفيـة». ومما يجدر ذكره أن العرب، في شبه جزيرة أيبريا، استخدموا لفظ «الجماعة» للإشارة إلى اليهود، وقد استبقاه المسيحيون من بعدهم. والمقدرة التفسيرية لمصطلح «الجماعة اليهودية» أعلى بكثير من مصطلح «اليهود» الذي يجعل الباحث يواجه اليهود ككتلة متماسكة لها قوانينها الخاصة المقصورة عليها ولها منطقها الداخلي. أما مصطلح «أعضاء الجماعات اليهودية»، فيؤكد عدم التجانس وعلى استقلال كل جماعة عن الأخرى، ويؤكد أن هذه الجماعات قد تكون خاضعة لقوانينها الخاصة ومنطقها الداخلي (من حيث هي يهودية) ولكنها مع ذلك خاضعة أيضاً لقانون أكبر ومنطق أشمل من حيث هي «جماعات» تشكل جزءاً من كل، فهو إذن مصطلح يعيِّن الظاهرة باعتبارها ظاهرة يهودية ولكنه لا يجعل هذا الأمر النقطة المرجعية الأساسية بل مجرد نقطة فرعية، إذ تظل الحقيقة الأساسية المرجعية أنها جماعة بشرية في مجتمع الأغلبية، وأنها جزء من كل تاريخي حضاري أكبر تستمد منه هويتها وتَرقَى حركيتها برقيه وتنحدر وتهوى بانحداره وسقوطه، شأنها في هذا شأن الجماعات المماثلة.
ومن المفيد أن نؤكد أن مصطلحاً مثل «الجماعات اليهودية في مصر» قد يكون مضللاً رغم أنه يشير إلى يهود مصر، فلابد من تأكيد البُعد الزمني إلى جانب البُعد الجغرافي. والواقع أن يهود مصر، على سبيل المثال، يبدأ تاريخهم منذ أن كانوا في مصر عبيداً عبرانيين يتحدثون لغة المصريين القدماء أو ربما لغة أخرى لا نعرف ما هي (ثم حينما تسللوا إلى كنعان اكتسبوا لسان كنعان). وكانت حامية إلفنتاين العبرانية، في عهد الأسرة 26، تتحدث العبرية والآرامية، وتتعبد حسب صيغة وثنية يهودية إذ كانوا يعبدون يهوه وآلهة أخرى. ثم نجد أن يهود مصر راحوا يتأغرقون بعد ذلك ويتخذون من اليونانية لغةً لهم، كما اكتسبت عبادتهم بُعداً هيلينياً. وأخيراً، بعد الفتح الإسلامي، استعرب يهود مصر وأصبحت يهوديتهم أكثر توحيدية. وفي العصر الحديث، تم علمنتهم وتغريبهم. إن هذه الجماعات المختلفة إثنياً ودينياً يُطلَق عليها جميعاً «يهود مصر» كما لو كانت كُلاًّ واحداً مستمراً بلا انقطاع، مع أن من الواضح أن ثمة انقطاعات عديدة.
ومن أكثر الأمثلة دراميةً وطرافة يهود القرم ويهود شبه جزيرة تامان المجاورة لها. ويعود تاريخ استقرار اليهود في هذا المكان إلى القرن الثاني قبل الميلاد، حينما استجلب مثراديتيس الأكبر مستوطنين يهوداً من آسيا الصغرى ووطنهم ذلك الجزء من مملكته (حول مضيق البوسفور). ومن المؤكد أنه، في القرن الأول الميلادي، كانت توجد مستوطنات من اليهود المتأغرقين في المملكة البوسفورية. ولذا، كانت شواهد قبورهم تُكتَب بكل من اليونانية والعبرية، كما كان الحال في مصر بعد تأغرقهم. وهناك وثائق تدل على وجود جماعة استيطانية قتالية من عَبَدة الإله الأعظم. وقد حطمت قبائل الهن هذه المملكة في عام 370 مما ساهم في نَزْع الصبغة الإغريقية عن الجماعة اليهودية. ثم غزت الإمبراطورية البيزنطية هذه المنطقة في القرن السادس، ولابد أن هوية اليهود في هذه المنطقة قد تَغيَّرت بتَغيُّر التشكيل الحضاري الذي ساد فيها. وفيما بعد، غزت قبائل الخَزَر شبه جزيرة القرم في منتصف القرن السابع، وهو ما أدَّى إلى دخولها في فلك إمبراطورية الخَزَر فتترَّك اليهود فيها وتهوَّدت النخبة الحاكمة. وبعد سقوط دولة الخَزَر، التي اختفى آخر أثر لها في القرم في القرن الحادي عشر، اكتسح التتار شبه الجزيرة عام 1227. وقد اندمج اليهود في التتار أيضاً وتَبنَّوا لغتهم وأزياءهم. وهؤلاء هم أسلاف يهود الكرمشاكي الذين انتقلت بقاياهم مؤخراً من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة. وتحت حكم التتار، بدأ القرّاءون يدخلون القرم. وقد قامت مدينة جنوة بتأسيس بعض مستعمرات تجارية على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة في منتصف القرن الرابع عشر. ويبدو أن بعض أعضاء الجماعة اليهودية اكتسبوا الثقافة الإيطالية أو انضم إليهم يهود من إيطاليا. ونحن نعرف أن الجماعة اليهودية في تامان كان يرأسها (عام 1419) يهودي إيطالي يُدعَى سيمون دي جوبزولفي.
ومع سقوط القسطنطينية عام 1543، أصبحت القرم تابعة للدولة العثمانية. ولابد أن هذا ترك أيضاً أثره الثقافي في اليهود. ثم ضمت روسيا القرم في عام 1783، وبدأت هجرة العناصر الإشكنازية، كما بدأ تحديث يهود القرم.
ورغم كل هذه التحولات اللغوية والحضارية، يُشار لهم باسم «يهود القرم» بكل ما ينطوي عليه المصطلح من استمرار وتَجانُس وعدم انقطاع حيث لا استمرار ولا تَجانُس، وإن وُجدت عناصر استمرار فإنها لا تكون في أهمية عناصر الانقطاع وعدم الاستمرار. ولذا، نقترح أن نقول «يهود القرم في العصر الخزري» و«يهود مصر في العصر البطلمي» وهكذا.
وأخيراً، يجب ملاحظة أن إحدى الدول قد تضم جماعة يهودية واحدة متجانسة حضارياً و تضم دولة أخرى عدة جماعات. فالجماعة اليهودية في إنجلترا، مثلاً، جماعة واحدة يتصف معظم أعضائها ببعض السمات الأساسية، وغالبيتهم الساحقة يتحدثون الإنجليزية. والأمر نفسه ينطبق على يهود الولايات المتحدة، حيث تُوجَد جماعة يهودية رئيسة يتحدث أعضاؤها الإنجليزية وجماعات أخرى صغيرة للغاية مهملة إحصائياً، خصوصاً أن أعضاءها في طريقهم إلى الاندماج والاختفاء. هذا على عكس يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، فقد كانت أغلبيتهم الساحقة من يهود اليديشية الإشكناز الذين اصطبغوا بالصبغة الروسية، ولكن كانت هناك جماعات أخرى (تُشكل حوالي 15%) لها هويات أخرى. والشيء نفسه ينطبق على أمريكا اللاتينية، فما نقوله عن الجماعة اليهودية في إنجلترا والولايات المتحدة، وكذلك ما يُقال عن الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، يَصدُق على الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية.
|