الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الخريطة العامة للهويات اليهودية فى الوقت الحاضر

General Map of Jewish Identities at the Present

لاحظنا التطور التاريخي للهويات اليهودية المختلفة والذي نجم عنه ظهور هويات لا حصر لها ولا عدد. كما لاحظنا أن تعريف الشريعة اليهودية لمن هو اليهودي كان تعريفاً يعاني من الخلل، فلا هو بالديني ولا هو بالعرْقي، بل يجمع عناصر دينية وعرْقية دون تعريف حدود كل عنصر. وقد زادت الصورة اختلاطاً وسوءاً مع ظهور الفرق اليهودية الحديثة، وظهور اليهودية الإثنية والإنسانية، وإصرار كل هؤلاء على أن يسموا أنفسهم يهوداً.

كل هذا يعني أن كلمة «يهودي» تشير إلى أشخاص يؤمنون بأنساق دينية متعارضة من بعض النواحي، وينتمون إلى تشكيلات حضارية مختلفة، أي أنها دال يشير إلى مدلولات دينية وقومية مختلفة. ولتوضيح الصورة قليلاً، يمكن القول بأن مصطلح «يهودي» كان يشير، منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى عشية ظهور الدولة الصهيونية، إلى عشرات الهويات والانتماءات الدينية والوثنية والطبقية:

1 ـ  يهود اليديشية، ويُطلَق عليهم عادةً يهود شرق أوربا أو الإشكناز. وهم أكبر القطاعات اليهودية في العالم. وكان هؤلاء يوجدون في أوكرانيا ومنطقة الاستيطان اليهودية في روسيا وبولندا. وكانوا ينقسمون بدورهم إلى قسمين أساسيين:

أ)   يهود متدينون يعرِّفون يهوديتهم على أساس ديني.

ب)  يهود تمت علمنتهم ويعرِّفون يهوديتهم على أساس إثني.

وكان معظم أعضاء هذا التجمع اليهودي يتحدثون اللغة اليديشية، وقد حملوها معهم إلى إنجلترا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، ولكن كانت بينهم قطاعات تتحدث البولندية والأوكرانية والروسية والألمانية.

2 ـ  يهود العالم الغربي المندمجون الذين كانوا يتحدثون لغة بلادهم. وهؤلاء كانوا ينقسمون إلى عدة أقسام، فمنهم يهود متدينون يعرِّفون أنفسهم على أسس دينية مختلفة ( إصلاحى ـ محافظ ـ تجديدى ـ أرثوذكسى ) ومنهم أيضاً يهود لادينيون. وأكبر تَجمُّع لهؤلاء يُوجَد في الولايات المتحدة. وقد تزايد عددهم بوصول يهود اليديشية الذين اندمجوا بدورهم في المجتمعات التي وصلوا إليها، واكتسبوا سماتها الإثنية والحضارية، وفقدوا هويتهم السلافية اليديشية وظهر ما نسميه «الهوية اليهودية الجديدة». كما أن العناصر السفاردية في المجتمعات الغربية اندمجت هي الأخرى في محيطها الحضاري، خصوصاً أن أعدادهم كانت صغيرة.

3 ـ  يهود أمريكا اللاتينية الذين يتحدثون الإسبانية والبرتغالية أساساً. وقد انضم إليهم آلاف من يهود اليديشية واليهود السفارد من العالمين الغربي والعربي. وقد احتفظت كل جماعة يهودية مهاجرة بلغتها وهويتها التي أحضرتها من بلدها الأصلي لأن المجتمع الكاثوليكي اللاتيني كان محتفظاً بهويته، فكان التعبير عن الهوية اليهودية هو ذاته صدى لبنية المجتمع المضيف. وحينما بدأ المجتمع اللاتيني يفقد هويته بالتدريج، وبدأت تتصاعد فيه معدلات العلمنة، أخذ أعضاء الجماعات اليهودية يفقدون هم أيضاً هويتهم  ويندمجون، ولكن في محيطهم اللاتيني.

4 ـ  يهود الشرق والعالم الإسلامي والعالم العربي، وكان من بينهم اليهود العرب (اليهود المستعربة)، واليهود السفارد الذين يتحدثون اللادينو، وكانت توجد جماعات كبيرة منهم في العالم العربي، وقد انضمت إليهم أعداد كبيرة من يهود اليديشية، ويهود البلاد الغربية (خصوصاً فرنسا). كما تم صبغ كثير من اليهود المحليين العرب بالصبغة الغربية، وحصلت أعداد كبيرة منهم على جنسيات أوربية.

5 ـ  الجماعات اليهودية المتفرقة (مثل الفلاشاه وبني إسرائيل) التي اسـتمر معظمهـا في البقـاء، ولم يختف في واقع الأمر سـوى يهود الخزر، إذ لا يزال يُوجَد بعض أعضاء من يهود كايفنج ومئات وربما آلاف من يهود المارانو والدونمه، وإن كان ثمة نظرية تذهب إلى أن اليهود القرّائين الذين يتحدثون التركية هم من بقايا يهود الخَزَر.

6 ـ  تم تصنيف جميع الجماعات السابقة إلى يهود غربيين يُسمَّون «الإشكناز»، ويهود شرقيين يُسمَّون «السفارد» (أحياناً) برغم خطأ التسمية.

7 ـ  نحن نرى أن كل التقسيمات السابقة آخذة في الاختفاء وأن ثمة ثلاثة أقسام أساسية الآن في العالم:

أ)  خارج فلسطين، ظهر ما يمكن تسميته «الهوية اليهودية الجديدة» وهي هوية ظهرت في المجتمعات الغربية الحديثة، وهي ذات ملامح يهودية إثنية أو دينية، ولكن البُعد اليهودي فيها هامشي، لا يؤثر في سلوك أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أن ما يحكم هذا السلوك هو الرؤية العامة السائدة في المجتمع (المتعة واللذة) والتي تُوجِّه سلوك المسيحيين واليهود والبوذيين والملحدين... إلخ.

ب) داخل المُستوطَن الصهيوني ظهرت هوية جديدة تماماً لا علاقة لها بكل الهويات السابقة، وهي جيل الصابرا ويتنبأ الدارسون بأن هؤلاء الصابرا سيكونون أغيارا يتحدثون العبرية لاتربطهم بأعضاء الجماعات اليهودية فى العالم سوى روابط واهية لاتختلف كثيرا عن علاقة اليونانيين المحدثين بالاغريق القدامى. ويميل كثير من علماء  الاجتماع إلى أن اليهود المولودين في إسرائيل ينقسمون أيضاً إلى شرقيين وغربيين، ومن ثم يُطلَق مصطلح «الصابرا» في واقع الأمر على أولاد اليهود الغربيين وحدهم.

جـ ) يهود متدينون ( أرثوذكس ) وهم أقلية صغيرة خارج إسرائيل وأقليه كبيرة داخلها.

والصورة، كما نرى، مركبة وغير متجانسة على جميع المستويات. فهذه الجماعات التي كانت تفصل بعضها عن البعض هوة من الخلافات الدينية، وكانت تتحدث عشرات اللغات واللهجات، تقع ضمن تشكيلات اجتماعية  وثقافية لا حصر لها، ابتداءً من يهود الغرب المندمجين في مجتمعاتهم الرأسمالية ومروراً بيهود اليمن الذين يشكلون جزءاً متكاملاً من مجتمعهم العربي بكل فنونه وتقاليده ومزاياه وعيوبه،وانتهاء بيهود الفلاشاه (في إثيوبيا) الذين ينتمون إلى تشكيل قَبَلي بسيط ويتحدثون الأمهرية لغة أغلبية أهل إثيوبيا ويتعبدون بالجعزية لغة الكنيسة القبطية فيها!ويُلاحَظ هنا كيف يتداخل الانتماء الإثني مع الأبعاد الدينية.وربما كان هذا التداخل هو ما جعل مندوب الوكالة اليهودية في الخمسينيات لا يتردد في أن ينصح الفلاشاه بحل مشاكلهم كلها لا بالهجرة إلى إسرائيل وإنما عن طريق التنصر والانضمام إلى الكنيسة القبطية في إثيوبيا!

وهذه الهويات اليهودية المختلفة لا وجود لها خارج محيطها الحضاري. فإن فقد يهود الفلاشاه الأمهرية والجعزية والشعائر الدينية المختلفة التي استقوها من محيطهم الحضاري، فإنهم يفقدون هويتهم التي يُقال لها «يهودية». ويسري الشيء نفسه على يهود الولايات المتحدة، فخصوصيتهم نابعة من انتمائهم إلى المجتمع الأمريكي، ولا يمكن تَخيُّلهم خارج هذا المحيط الثقافي.

وإذا كانت هناك هوية يهودية مسـتقلة نسـبياً عن محيطها الحضاري، فهذا لا يعني بالضرورة أن هناك هوية يهودية عالمية واحدة مترابطة. والواقع أن هناك هويات يهودية مختلفة متعددة بعدد المجتمعات التي تتواجد فيها هذه الهويات، إذ أن انفصالها النسبي لم يؤد بالضرورة إلى ترابط الواحدة مع الأخرى. فيهود شرق أوربا كانوا يكتسبون هويتهم الشرق أوربية اليهودية من خلال اليديشية. وكان اليهود السفارد يكتسبون هويتهم الإسبانية من خلال اللادينو. وكانت كل من اليديشية واللادينو تعزل أعضاء الجماعة عن محيطهم. ومن ثم كان الصدام بين السفارد والإشكناز حاداً دائماً في جميع نقط التماس، سواء في أوربا في القرن السابع عشر أو في العالم الجديد في القرن الثامن عشر أو في المُستوطَن الصهيوني في القرن العشرين.

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثاني