الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الشخصيـة أو الهوية اليهوديـة

Jewish Character or Identity

مصطلح «الشخصية اليهودية» في اللغة العربية مأخوذ من لفظ «شخص» ويعني مجموعة الصفات التي تميِّز هذا الشخص. أما في الأصل الأوربي، فإن المصطلح مأخوذ من اللفظ اللاتيني «بيرسونا Persona»، وهو القناع الذي يرتديه الممثل ليُعبِّر عن السمة الأساسية للشخصية التي يؤديها. و«الشخصية» هي صيغة منظمة نسبياً لمجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية والنزوعية والإدراكية التي تميِّز الفرد عن غيره من الأعضاء. ويُفترَض أن الشخصية الفردية، في جوانب عديدة منها، هي نتيجة عملية تَفاعُل مركبة بين الإنسان الفرد من جهة، وبنيان مجتمعه وثقافته وتاريخه وبيئته الطبيعية والاجتماعية من جهة أخرى. ومن هنا، يتحدث بعض العلماء عن الشخصية القومية، وهي شخصية تَنتُج من عملية تَفاعُل تمتد ردحاً من الزمن بين جماعة من الجماعات البشرية من جهة وتشكيل اجتماعي وتاريخي وبيئة طبيعية من جهة أخرى. ومن خلال الامتداد الزمني تكتسب هذه الجماعة سمات معيَّنة وهوية محددة تصبح ثابتة أو شبه ثابتة يُفترَض أنها تُميِّزها عن غيرها من الجماعات البشرية الأخرى. ومصطلح «الشخصية اليهودية» مصطلح يفترض أن ثمة شخصية قومية يهودية ذات سمات مميَّزة وثابتة.

أما كلمة «هوية» فهي اسم منقول من المصدر الصناعي «هوية» المأخوذ من كلمة «هو»، وتعني: مجموعة الصفات الجوهرية والثابتة في الأشياء والأحياء. فكأن مصطلح «هوية يهودية» يعني أن ثمة جوهراً يهودياً ثابتاً يسم أعضاء الجماعات اليهودية أينما كانوا ويمنحهم شخصيتهم اليهودية المحددة، ويفرقهم عمن سواهم من البشر. وغني عن القول إن هذا المصطلح، مثل مصطلح «الشخصية اليهودية»، يُعبِّر عن نموذج اختزالي لا يتفق كثيراً مع الحقيقة التاريخية المتعيِّنة ولذلك فمقدرته التفسيرية ضعيفة للغاية. ويشكل استخدام مصطلحات مثل «شخصية يهودية» و«هوية يهودية» تبنيٍّا غير واع للنماذج التفسيرية الاختزالية، الصهيونية والمعادية لليهود، التي تفترض وجود طبيعة يهودية ثابتة وعبقرية يهودية وجريمة يهودية ووجود سمات أساسية للشخصية اليهودية. فهي من منظور المعادين لليهود شخصية متآمرة عدوانية استغلالية ومنحلة، وهي كذلك شخصية تجارية بطبعها، أما الصهاينة، فينسبون إلى هذه الشخصية اليهودية المستقلة سمات إيجابية، فاليهودي يتسم بالإبداع والمقدرة على الانسلاخ من مجتمع الأغيار، وهو يدافع عن نفسه ضد العنف لكنه لا يرتكب العنف أبداً ضد الآخرين، وهكذا. ومن السمات الأخرى التي تُنسَب إلى الشخصية اليهودية حبها للنكتة، ومقدرتها النقدية أو حسها النقدي. ويؤسس الصهاينة نظريتهم في القومية اليهودية والشعب اليهودي انطلاقاً من تأكيد وجود هذه الشخصية اليهودية. كما أن الصهيونية العمالية تصف الشعب اليهودى بأنه شعب طفيلى من السماسرة.

وإذا اختبرنا النموذج الكامن وراء مقولات مثل «الشخصية أو الهوية اليهودية الثابتة الواحدة» فإننا سنكتشف مدى قصوره، فأعضاء الجماعات اليهودية ليسوا تجاراً بطبعهم، إذ عمل العبرانيون بالزراعة في فلسطين، كما كان منهم الجنود المرتزقة في الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، ومعظمهم الآن من المهنيين في الغرب. وهم ليسوا متآمرين بطبعهم، بل وسقط منهم ضحايا للتآمر، لكن هذا لا يمنع وجود متآمرين وتجار بينهم. وهم ليسوا منحلّين في كل زمان ومكان، إذ كانت هناك أزمنة وأمكنة استمسك فيها أعضاء الجماعات اليهودية بأهداب الفضيلة ولم تُعرَف بينهم ظواهر مثل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين.

وهناك خلل يتمثل في الحديث عن اليهود بشكل مجرد،فمن يود أن ينسب العبقرية إلى الهوية أو الشخصية اليهودية سيجد قرائن على ذلك في مكان وزمان معيَّنين،ومن يود أن ينسب إليهم التآمرية سيجد أيضاً قرائن على ذلك في مكان وزمان آخرين،ثم يتم تعميم الجزء على الكل.وهذا ما يقوم به الصهاينة،عن وعي أو عن غير وعي،حينما يتحدثون عن الشخصية اليهودية أو عن الهوية اليهودية.

ولكن الشخصية (أو الهوية)، كما أسلفنا، هي بنية مركبة، نتاج تَفاعُل بين مجموعة من البشر ومُركَّب من الظروف التاريخية والبيئية الثابتة على مدى زمني معقول، وهو الأمر الذي لم يتوفر إلا للعبرانيين، ولم يتوفر للجماعات اليهودية التي انتشرت في بقاع الأرض المختلفة وعاشت تحت ظروف اجتماعية مختلفة. ولذا، نرى أنه يجب الابتعاد عن التعميم المتعسف والكف عن استخدام صيغة «الشخصية اليهودية» لنتحدث بدلاً من ذلك عن «الشخصيات اليهودية» و«الهويات اليهودية». وصيغة الجمع لا تنكر الخصوصيات اليهودية، ولكنها لا تجمع بينها وكأن هناك صفة جوهرية أو عالمية كامنة في كل اليهود. ومن هنا، يمكننا أن نتحدث عن الشخصية (أو الهوية) اليمنية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، أو الشخصية الخَزَرية اليهودية في القرن التاسع، أو الشخصية الإشكنازية في إسرائيل، أو الشخصية السفاردية من أصل سوري في أمريكا اللاتينية. ويمكن دراسة تَطوُّر هذه الشخصيات اليهودية المتنوعة والمختلفة بدراسة سماتها المُستمَدة من أزمنة وأمكنة مختلفة. وفي هذه الحالة، سنكتشف أن حب النكتة ليس خاصية لصيقة بالشخصية اليهودية. فالفقه اليهودي (حتى القرن التاسع عشر) يُحرِّم النكات، كما أن هجاء الحاخامات أمر لم يكن مسموحاً به. ونجد أن حب النكتة هذا ظاهرة مقصورة على يهود أوربا في القرن التاسع عشر ومرتبط بضعف مؤسساتهم الدينية والاجتماعية. ولم يكن الحس النقدي ولا المستوى العلمي الرفيع معروفاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا حتى القرن الثامن عشر، إذ حرَّمت قيادتها الدينية قراءة كتب الفلاسفة اليهود ودواوين الشعر العبري الدنيوي، كما حرَّمت دراسة اللغات الأجنبية ودراسة الرياضيات والجغرافيا والتاريخ ولم تستثن من ذلك تواريخ الجماعات اليهودية. وكان الجهل بالجغرافيا عميقاً إلى درجة أن الحاخامات كانوا عاجزين عن تحديد اتجاه القدس. ولكن، مع دَمْج اليهود في الحضارة الغربية وتَزايُد معدلات العلمنة بينهم، وانفكاك قبضة المؤسسة الحاخامية التقليدية، تَملَّك أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في العصر الحديث ناصية العلوم الحديثة، فظهر العلماء وظهر الحس النقدي، وظهر الإحساس بالنكتة.

ومما تَجدُر ملاحظته أن كثيراً من الأدبيات الصهيونية والغربية، حينما تتحدث عن الشخصية اليهودية أو الهوية اليهودية، تشير عادةً إلى تجربة تاريخية محددة هي تجربة يهود اليديشية، أي الجماعة اليهودية في شرق أوربا والتي كانت تشكل جماعات وظيفية يتحدث أعضاؤها اليديشية، ويعيشون في الظروف الاقتصادية والاجتماعية نفسها، وفي المحيط الحضاري السلافي (المسيحي) نفسه، وهو ما أفرز شخصية يهودية شرق أوربية يمكن أن تُسمَّى «الشخصية اليديشية» تتحدد ملامحها لا من خلال تشكيل تاريخي يهودي عالمي وإنما من خلال التشكيل الحضاري الشرق أوربي. وقد أكد آرثر روبين في كتابه اليهود في الوقت الحاضر أن كلمة «يهودي» تعني بالنسبة إليه «إشكنازي» ولا تضم اليهود السفارد أو الشرقيين. ورغم أن يهود اليديشية كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من الجماعات اليهودية في العالم في نهاية القرن التاسع عشر (حوالي 80%)، إلا أن هذا لا يجعل منهم شخصية يهودية عالمية، إذ أن هذه الشخصية اليديشية (القومية) هي ثمرة تَفاعُل الجماعة اليهودية مع المجتمع الشرق أوربي في بولندا وروسيا داخل تركيبة اجتماعية وثقافية مُحدَّدة. وينبع مشروع حزب البوند السياسي من الإيمان بوجود شخصية يهودية قومية شرق أوربية، لا شخصية يهودية عالمية، ولذا كان الحل المطروح هو تطوير هذه الشخصية اليديشية دون الانزلاق إلى أبعاد تعميمية تجريدية. وقد تبنت روسيا السوفيتية هذا الحل في نهاية الأمر بعـد أن رفضـه لينين في بدايتـه، كما تتجلى ملامحـه في تجربة ببروبيجـان.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثاني