يهـود الجبــال (يهـود التـات، يهـود داغسـتان)(Mountain Jews (Tat Jews; Daghestan Jews«يهود الجبال» جماعة يهودية لها خصوصياتها الإثنية واللغوية، يعيش أعضاؤها في مقاطعة داغستان السوفيتية وأذربيجان (ومن هنا يشار إليهم بلفظ «يهود داغستان») كما يُشار إليهم كذلك باسم «يهود التات». ويُسمِّي يهود الجبال أنفسهم «جوهور». ولكن مصطلح «يهود الجبال» ذاته هو مصطلح روسي صكته السلطات الروسية القيصرية في منتصف القرن التاسع عشر بعد ضم المنطقة إليها. وتشير الدلائل اللغوية والتاريخية إلى الأصول الإيرانية ليهود الجبال، فلهجتهم من أصول إيرانية شمالية دخلت عليها كلمات تركية وعبرية. وقد تكوَّنت الجماعة نتيجة هجرة اليهود المستمرة من شمال إيران (وربما من الإمبراطورية البيزنطية) لأذربيجان حيث استوطنوا بين متحدثي لغة التات التي أصبحت لغتهم. وقد بدأت هذه العملية في منتصف القرن السابع الميلادي مع الفتح الإسلامي للمنطقة، واستمرت حتى غزاها المغول في القرن الثالث عشر. وفي هذه الفترة، اتصل يهود الجبال بيهود الخزر. وقد انقطعت الصلة بعد ذلك بين يهود الجبال وبقية يهود العالم حتى بداية القرن التاسع عشر تقريباً. وليهود الجبال عادات وقيم قَبَلية، فهم يمجدون الشجاعة، ويدافعون عن شرفهم مستخدمين السيف، ويأخذون بالثأر، وتنتشر بينهم الخرافات، ويعيشون في بيوت طينية منخفضة تعلَّق على حوائطها أسلحتهم المصقولة، وهو ما يدل على اندماجهم في الحضارة القوقازية الإسلامية في هذه المنطقة. وهم يتَّسمون بأسماء توراتية بعد إضافة النهاية الروسية «أوف»، فيصبح «بنيامين» مثلاً «بنيامينوف». وتشبه معابدهم المساجد من الخارج، وكانت تُستخدَم كمدرسة دينية على طريقة المسلمين حيث يجلس الأطفال على الأرض ويحفظون التوراة على يد الحاخام. وهم يحتفلون بالأعياد اليهودية، وخصوصاً عيد النصيب وعيد الفصح، وإن كانت الطقوس الخاصة بعيد الفصح مختلفة عن تلك المعروفة بين اليهود. كما أن طقوس الزواج عندهم مختلفة عن تلك الطقوس المعروفة لدى يهود أوربا، إذ يدفع الزوج ما يُسمَّى «الكالين» أو «الفدية». وهم يقسمون بالنار ويشعلون النار بجوار المرضى، الأمر الذي يشير إلى أصولهم الإيرانية. والوحدة الاجتماعية الأساسية هي الأسرة الممتدة، والتي تضم ثلاثة أو أربعة أجيال ويبلغ عددها نحو سبعين عضواً. وكان يهود الجبال يمارسون تعدد الزوجات. ويشكل كل سبع أو ثماني أسر قرية يهودية. وقد تدهورت أحوال الجماعة اليهودية بتدهور المنطقة ككل نتيجة تحولها إلى ساحة صراع بين كلٍّ من روسيا وتركيا وإيران إلى جانب الصراع بين عدد من الحكام المحليين. وقد نجحت روسيا في نهاية الأمر في ضمها عام 1813. وقد طلب يهود الجبال من السلطات القيصرية أن تضعهم تحت حمايتها. كما حدثت تحولات عميقة للجماعة اليهودية بعد ضم القوقاز لروسيا، فانتقلت أعداد كبيرة من اليهود من المناطق الجبلية إلى المدن حتى أنه كان هناك في منتصف القرن التاسع عشر نحو 41% من أعضاء الجماعة في المدن، ولكن، مع هذا، ظل حوالي 58% منهم في القطاع الزراعي، بل إن سكان المدن من اليهود كانوا يعملون في صناعات مرتبطة بالمحاصيل الزراعية مثل تقطير الكحول. وكان أثرياء يهود الجبال من أصحاب شركات تقطير الخمور وبيعها، كما أن إحدى العائلات كانت تمتلك أهم شركة صيد في داغستان، وكان الكثيرون من أعضاء الجماعة يقومون بزراعة نبات الروبيا Rubia وهو نبات كانت تُستخلص من جذوره صبغة حمراء، كما كانوا يشتغلون بدباغة الجلود وبصيد بعض الحيوانات لاستخدام جلودها. وقد أصبح كثير من أعضاء الجماعة اليهودية عمال صيد أو عمالاً أجراء وانتقلوا إلى باكو ودربنت بعد أن تصاعدت معدلات التصنيع والتحديث في روسيا القيصرية، وهو ما جعل الصناعات اليدوية غير قادرة على الاستمرار، كما عمل كثيرون منهم تجاراً صغاراً. وبعد الثورة البلشفية،تغيَّر وضع يهود الجبال بشكل أعمق. وكما طلب يهود داغستان من السلطات القيصرية من قبل وضعهم تحت الحماية،فإنهم تحالفوا تماماً مع السلطات السوفيتية ضد غالبية السكان.ولذا،فحينما قامت حركة انفصالية ضد السوفييت،كان 70% من الحرس الأحمر في المنطقة من يهود داغستان.وكانت الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء من يهود الجبال تتبنى خط الحزب بشكل كامل. وقد جلب كل هذا على أعضاء الجماعة اليهودية كره الجماهير. وقد أدَّت حركة التصنيع في الاتحاد السوفيتي، والخطط الخمسية المتتالية، إلى فك التضامن القبلي بين يهود داغستان، فتركوا الجبال وبدأوا يعملون بالمصانع. ومع هذا، فإن أصولهم القبلية وترابطهم العائلي يساعدانهم على الاحتفاظ بقسط كبير من خصوصيتهم الجبلية. وحسب إحصاءي 1959 و1970، كان عدد يهود الجبال يبلغ ما بين 50 ألفاً و70 ألفاً (وهو في تصورنا عدد مبالغ فيه). وقد هاجر حوالي 12 ألفاً في الفترة بين عام 1974 ومنتصف الثمانينيات إلى إسرائيل، وبحسب إحصاء عام 1989 (وهو أول إحصاء يُقسِّم يهود الاتحاد السوفيتي إلى جماعات إثنية مختلفة)، يبلغ عددهم حوالي 20 ألفاً، ولعل انخفاض العدد بهذا الشكل الملحوظ يرجع إلى استبعاد يهود اليديشية المقيمين في داغستان. وأهم مراكزهم السكانية باكو عاصمة أذربيجان. أما في داغستان، فإن معظمهم يعيشون في دربنت وفي عاصمة الجمهورية. |
|