الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













يهـود جورجيــا

Georgian Jews

«جورجيا» هي إحدى جمهوريات دول الكومنولث (الاتحاد السوفيتي سابقاً)، وتقع على الساحل الشرقي للبحر الأسود. ويعتقد يهود جورجيا أنهم من نسل قبائل يسرائيل العشر المفقودة التي هجَّرها شلمانصر. وهم يدعمون هذا بقولهم إنه لا يوجد بينهم كهنة. ومهما يكن الأمر، فإن جذورهم في جورجيا موغلة في القدم، وقد قامت علاقات ثقافية بينهم وبين يهود الخزر. وتوجد إشارات عديدة إليهم في الوثائق التاريخية، وقد تحوَّل بعضهم (بعد الغزو المغولي) إلى أقنان يعمل بعضهم بالزراعة والحرف (النسيج والصباغة) والتجارة. وكان الأقنان يعيشون في ضياع أسيادهم وقراهم بمعزل عن يهود العالم، الأمر الذي أدَّى إلى ضمور الهوية والانتماء الديني لديهم، وكان الأقنان يُقسَّمون إلى: أقنان الملك، وأقنان الإقطاعيين، وأقنان الكنيسة. ومع ضم جورجيا إلى روسيا عام 1801، تحوَّل أقنان الملك إلى أقنان الخزانة إذ كان عليهم دفع ضريبة للخزانة. وقد اعترفت الحكومة القيصرية بحقوق اليهود في جورجيا (على خلاف يهود اليديشية الذين كانوا خاضعين لبعض القيود). وألغيت القنانة في جورجيا في الفترة 1864 ـ 1871.

وبعد اندلاع الثورة البلشفية، قامت حركة قوية للاستقلال في جورجيا اشتركت فيها عناصر يهودية معادية للصهيونية (وتحالف معهم أعضاء جماعة حبد). وقد هاجم الجيش الأحمر جورجيا، وبدأت عملية دمج جورجيا في الدولة السوفيتية وهو ما تضمن دمج أعضاء الجماعة اليهودية. ولم تتدخل الحكومة في الشئون الدينية، ففُتحت المعابد اليهودية، بل وسمحت الحكومة بالنشاطات الصهيونية لبعض الوقت. ولكن، بعد أن تزايدت النشاطات المعادية للسوفييت، تغيَّر موقف السلطات السوفيتية. وفي منتصف العشرينيات، بذلت هذه السلطات جهداً مضاعفاً لعلمنة يهود جورجيا، ففتحت أبواب المصانع للعمال اليهود، كما فتحت لهم المزارع الجماعية اليهودية. ولكن، في منتصف الثلاثينيات، قررت السلطات السوفيتية أن تحطم ما تصورته الانغلاق الإثني لليهود في المزارع الجماعية، فأسست مزارع مختلطة (أممية) تضم  يهوداً وأرمن. وقد فكرت السلطات السوفيتية في أن تُطوِّر ثقافة سوفيتية جورجية على نمط الثقافة السوفيتية اليديشية، لكن المحاولة توقفت بعد فترة قصيرة من البدء فيها. ويعمل يهود جورجيا أساساً بالتجارة كما يعمل كثيرون منهم بالمهن الحرة، فمنهم العلماء ومنهم المهندسون والمدرسون. ويوجد بينهم كذلك عمال مهرة.

والجو الحضاري في جورجيا تعددي متسامح. ولا يتَّسم تاريخ الجماعة اليهودية بظاهرة العزل أو الطرد أو المذابح، كما هو الحال مع يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر.

ولا تختلف أسماء يهود جورجيا عن أسماء جيرانهم المسيحيين، بل إن لهم العادات نفسها، ويرتدون الأزياء نفسها، ويتبعون أسلوب حياة واحد. وهم يشاركون جيرانهم المسيحيين أعيادهم فيحتفلون بالكريسماس معهم، في حين يشاركهم المسيحيون الاحتفال في عيد النصيب، ويرقصون معهم في عيد نزول التوراة.

ويبدو أن يهود جورجيا فقدوا، بمرور الزمن، علاقتهم باليهودية الحاخامية. ولذا، كان سكان المدن من المتمسكين بدينهم اليهودي يشيرون إليهم باسم «الكنعانيين». ولا يأكل يهود جورجيا لحم الخنزير، ولكنهم لا يحافظون على قوانين الطعام الأخرى. وهم يعرفون الذبح الشرعي ولا يمارسونه بصورة دائمة. وبشكل عام، يُلاحَظ أنهم لا يعرفون كثيراً من الشعائر اليهودية، وحينما يعرفونها فإنهم يتجاهلون معظمها. والفاصل الأساسي بينهم وبين جيرانهم من غير اليهود هو أنهم لا يتزاوجون معهم، ولكن يُلاحَظ أن نسبة الزواج المختلط بينهم آخذة في الزيادة منذ الستينيات.

ويتحدث معظم أعضاء الجماعة اليهودية في جورجيا اللغة الجورجية (91%) ويكتبونها بالحروف الجورجية (وهؤلاء هم اليهود الأصليون)، كما تتحدث أقلية من يهود جورجيا اليديشية والروسية. ولم تكن العلاقة جيدة دائماً بين يهود جورجيا ويهود اليديشية الذين هاجروا من منطقة الاستيطان في أواخر القرن التاسع عشر (باعتبارهم عنصراً روسياً) ليستوطنوا المناطق الآسيوية التي ضمتها الحكومة القيصرية (فهم جماعة وظيفية استيطانية). ورغم جو التسامح، وعدم وجود معاداة لليهود، ورغم معدل الاندماج العالي الذي حققه اليهود في جورجيا، فإنهم حين فُتحت أبواب الهجرة إلى إسرائيل هاجر منهم ما يساوي نصف عددهم الكلي. والسؤال الآن: إذا كان يهود جورجيا مندمجين ومتساوين في الحقوق مع غير اليهود، فلم هاجرت أعـداد كبيرة نسـبياً منهم إلى الدولة الصهيونية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من العودة إلى حركيات المجتمع الجورجي حتى يتسنى لنا فهم العناصر التي أدَّت إلى الهجرة، عناصر الطرد من الاتحاد السوفيتي ثم عناصر الجذب إلى إسرائيل.

يستند المجتمع الجورجي إلى شبكة اتصالات واسعة. وهذه الشبكة هي مؤسسة وسيطة تشبه علاقاتها علاقات القرابة أو العلاقات القَبَلية، وهي تضم مجموعة من الأفراد يدخلون في عـلاقة متعيِّنة مبـاشـرة، فتزوِّد الشـبكة العـضو بالعون في لحظة حاجته، وبالطمأنينة في لحظات الأزمة، وتَشدُّ من أزره في كل الأحوال في مواجهة المجتمع ككل، وبالذات في مواجهة الدولة الحديثة (بكل تجريديتها) وفي مواجهة البيروقراطية السوفيتية التي تتَّسم أفعالها بمستوى عال من العقلانية وعدم الاكتراث بالعناصر الشخصية. وليس بإمكان عضو أن يوجد خارج هذه الشبكة التي يُعَدُّ اعتماده عليها مصدر عزته وكرامته، وعليه بالمقابل أن يقدم لها ما تريد. ويُلاحَظ أن اليهـود ينتظـمون في شبـكات اتصـال غير يهودية، كما أن هنـاك مـسيحيين ينتظمـون في شـبكات اتصـال يهودية. وفي هذا الإطار، يُعتبَر الولاء للدولة أمراً ثانوياً قياساً بالولاء إلى الجماعة/الشبكة المباشرة. ويُنظَر إلى كل من الدولة والشبكة باعتبارهما طرفين متعارضين. فالدولة السوفيتية هي الكيان المجرد البيروقراطي، والشبكة هي الجهاز المتعيّن المحلي الذي يستطيع الفرد التعامل معه بشكل إنساني ومباشر.

وهذه الشبكة الهائلة المتطورة، وهذا التمازج بين الفرد والأسرة، هما أساس القومية الجورجية، وهي قومية معادية للضغوط الخارجية التي تأتي عادةً من موسكو. ويتمثل رفض الحكومة المركزية فيما يُسمَّى «الاقتصاد الثاني»، وهو القطاع الحر غير الشرعي الذي تديره الشبكة بطبيعة الحال لصالح أعضائها، والذي يُعبِّر عن الهوية الجورجية القومية في وقوفها ضد تَدخُّل الدولة الحديثة ومحاولاتها في خلق اقتصاد موحَّد يُدار مركزياً. ويشارك يهود جورجيا هذا الإحساس القومي الجورجي الرافض للدولة الحديثة، والذي يتبدَّى في شكل الارتباط بالشبكة، أي أن هوية يهود جورجيا هي هوية جورجية قوية ذات أبعاد يهودية خاصة تلعب دوراً حاسماً في تشجيع الهجرة إلى إسرائيل. غير أن هذه الهجرة لم تتم لأسباب يهودية عامة وإنما بسبب حركيات المجتمع الجورجي. وتحتوي كل عملية هجرة على عنصر جذب إلى الوطن الجديد وعلى عنصر طرد من الوطن القديم.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثاني