الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













وتُشكل كل هذه العناصر مكونات مشكلة المارانو: عناصر يهودية تَنصَّرت قسراً وادعت المسيحية، وعناصر أخرى تَنصَّرت طوعاً وآمنت بالمسيحية فعلاً، وكلها عناصر ذات خطاب حضاري واحد (أيبيري كاثوليكي)، يوحِّد بينها، رغم اختلاف العقائد أو الادعاءات الدينية.

وقد تأخر إنشاء محاكم التفتيش في البرتغال بعض الوقت ولكنها بدأت نشاطها بشكل رسمي عام 1536، ثم مارست نشاطها بشكل فعال في منتصف القرن السادس عشر، وبدأت في تَعقُّب اليهود المتخفين الذي تخفوا ما يزيد عن قرن ونصف القرن (1391 ـ 1550) أي الذين كانوا قد دُمجوا حضارياً تماماً إن لم يكن دينياً أيضاً. ومما زاد الأمور تعقيداً صدور القرار الخاص بنقاء الدم (بالإسبانية: لامبيثا دي سانجري limpieza de sangre) عام 1566 الذي جعل من الأصول العرْقية (لا الإيمان الديني) معياراً للتمييز. وبعد أن كان التنقيب يتم عمن يمارسون الطقوس اليهودية خفية، أصبح التنقيب عن ذوي الأصول غير النقية، ومن ثم أصبح مصطلح «المارانو» لا يشير إلى اليهود المتخفين وحسب وإنما إلى ذوي الأصول اليهودية حتى ولو كانوا من المسيحيين الأتقياء (ولذا يميِّز البعض بين «المارانو المسيحيين» و«المارانو اليهود»).

وقد مارس المارانو (اليهود) جميع الشعائر التي تقتضيها الديانة المسيحية في العلن. ولكن بعضهم ظل، في الوقت ذاته، يمارس شعائر الديانة اليهودية سراً. فكان اليهودي المارانو يُعمِّد أطفاله ويذهب إلى الكنيسة يوم الأحد ويذهب للاعتراف دون أن يدلي بأية اعترافات حقيقية، ويتناول القربان في الكنيسة ثم يبصقه خارجها. وقد تأثرت عقيـدتهم اليهودية بطول التخفي، فاختفت شعائر يهودية، مثل: الختان، والذبح الشرعي، واستخدام شال الصلاة، وكثير من الأعياد. واكتسبت الشعائر ملامح جديدة ابتعدت بهم تماماً عن دينهم الأصلي. وكان أساس عقيدة المارانو هو الإيمان بأن الخلاص يتم من خلال شريعة موسى لا من خلال الكنيسة أو المسيح، وكانوا يؤمنون بأن تنصيرهم القسري هو جزء من العقاب الإلهي الذي حاق باليهود، تماماً مثل النفي (في حالة اليهودية الحاخامية). وقد تبوأت إستير مكانة خاصة في فكرهم الديني، فكان يُنظَر إليها باعتبارها صورة مُسبَقة لما يحدث لهم. فإستير، هي الأخرى، اضطرت إلى إخفاء هويتها الدينية مدة من الزمن حتى تحرز مكانة متميِّزة داخل البلاط الفارسي. وقد تمكنت خلال ذلك من إنقاذ شعبها من المذبحة التي كان يدبرها هامان لهم. وقد أنكر المارانو أن المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح، وأصبح هذا الإنكار ركناً أساسياً في عقيدتهم، وهو ما زاد من أهمية العقيدة المشيحانية وانتظار مجىء الماشيَّح، ولعلها أصبحت المبدأ الوحيد. وكان المارانو يحتفلون بشعائر السبت يوم الأحد، وإن كان الاحتفال يأخذ شكلاً يسمح بالتخفي مثل: تنظيف المنزل، وتغيير الملاءات والملابس، والاسـتحمام، وإعداد وجبة تُسـمَّى «أدافينا» (وكانت تُعَدُّ قبل يوم السـبت). كما كانوا يحتفلون بأعياد اليهود المهمة الأخرى (مثل عيد الفصح وعيد الغفران) بعد العيد بعدة أيام حتى لا تتعقبهم محاكم التفتيـش. وكان الصـوم من أهم الشـعائر التي يمارسونها لسهولة إخفائه، كما أن صوم إستير كان أهم أعيادهم، حيث كانوا يتلون مزامير داود أو قصائد من نظمهم باللغة الشائعة بينهم. وكانت هذه الصلوات تؤكد وحدانية الخالق (مقابل التثليث المسيحي)، بل وكان لديهم طقس يهدف إلى محو أثر التعميد المسيحي.

وقد بهت انتماء يهود المارانو بالتدريج بعد أن ترك التخفي لمدة طويلة أثره العميق. فعلى سبيل المثال، أصبحت عبادة الخالق في الخفاء جزءاً عضوياً من عقيدتهم، وأصبح الإعلان عن عقيدة الإنسان أمراً لا يليق (ومن هنا، استمر عدد كبير من يهود المارانو في التخفي حتى بعد أن أصبح من حق اليهود ممارسة شعائر دينهم علناً في إسبانيا والبرتغال). وقد تأثر المارانو بالطقوس الكاثوليكية، فهم يشيرون إلى «سانت إستير»، كما تأثروا بتقاليد التصوف الكاثوليكية فكانوا يصومون من أجل الأحياء والموتى (وهو تقليد كاثوليكي). وأصبحت لهم عبادات وأدعية خاصة بهم تختلط فيها الطقوس والعبادات الكاثوليكية بالطقوس والعبادات اليهودية. وكان المارانو لا يتزوجون إلا فيما بينهم ولا يتزاوجون مع غيرهم من اليهود. وكانت القيادة الروحية للجماعة في يد النساء العجائز، وكان الأطفال لا يعرفون الهوية الدينية الحقيقية إلا بعد سن الخامسة عشرة. كما أن يهود المارانو كانوا يُشكلون شبكة متماسكة، فكان التاجر المارانو يرفض أن يشارك تاجراً آخر إلى أن يتأكد من هويته. وقد أدَّى ذلك إلى تسهيل عملية التجارة والائتمان، وساعد هذا التَماسُك على تسهيل الحراك الاجتماعي للمارانو.

ثم بدأت محاكم التفتيش نشاطها في كل شبه جزيرة أيبريا. ومما يجدر ذكره أن محاكم التفتيش لم تتعقب اليهود الذين أعلنوا عن هويتهم الدينية، فهؤلاء لم يكن يُسمَح لهم بالبقاء أساساً، وإنما تعقبت المسيحيين المشكوك في أمرهم والذين كان يُظَن أنهم مارانو، أي «مواطنون يُظهرون المسيحية ويُبطنون اليهودية»، فهؤلاء كانوا في رأي محاكم التفتيش يشكلون خطراً على العقيدة المسيحية وعلى أمن الدولة. ولكن هناك بعداً آخر بدأت الدراسات الحديثة تؤكده، وهو أن محاكم التفتيش في إسبانيا لم تكن تابعة للبابا. بل إن روما كانت تعترض في كثير من الأحيان على تَطرُّف قضاة هذه المحاكم، وعلى أن هذه المحاكم كانت تستخدم ديباجات دينية تستغل الشرعية الدينية لتَعقُّب من كانت تظنهم أعداء الدولة. وتبين هذه الدراسات أن رجال الدين الذين عُيِّنوا قضاة في هذه المحاكم نُصِّبوا من قبَل الدولة الإسبانية لا من قبل روما. وتذهب هذه الدراسات إلى أن الدولة الإسبانية كانت في الواقع أول دولة مطلقة تضع مصلحتها الدنيوية فوق أية مصلحة أخرى، وهي ظاهرة بدأت تتضح في بقية أوربا في تاريخ لاحق، وتذهب أيضاً إلى أن هذه الدولة طالبت رعاياها لهذا السبب بولاء مطلق. وتحل الدولة العلمانية الحديثة مشكلة الولاء عن طريق جعل الدين أمراً خاصاً، على أن يتم التضامن داخل المجتمع على أساس مصلحة الدولة. ولكن في حالة الدولة الإسبانية، لم يكن هذا ممكناً برغم تَوجُّهها الدنيوي لأن التحالفات في أوربا كانت تتم في إطار ديني، ولم تكن العقيدة العلمانية قد تطورت أو أحرزت شيوعاً بعد. ومن هنا كان تَمسُّك الدولة الإسبانية بالديباجات الدينية برغم تَوجُّهها الدنيوي.

ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن عملية المطاردة أصبحت بعد قليل مثل مطاردة أجهزة المخابرات الحديثة لمن يُسمَّون « أعداء الدولة ». وهذه الأجهزة كثيراً ما تختلق الاتهامات ضدهم وتخترعها اختراعاً إن لم تجدها، حتى يُكتَب لوظيفتها الاستمرار وحتى تُحكم قبضتها على الحاكم ويتزايد نفوذها وهيبتها. ومن هنا مطاردتها لبعض المسيحيين الجدد الذين تَنصَّروا عن صدق، حتى يُكتَب لها الاستمرار وتحقيق الرسالة!

سابقتالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثاني