الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













يهـــود  المارانـــو: تاريــــخ وعقـــيدة

The Marranos History and Doctrine

كلمة «مارانو» أطلقت على أولئك اليهود المتخفين، في إسبانيا والبرتغال، الذين تراجعوا ظاهرياً عن اليهودية وادعوا اعتناق الكاثوليكية حتى يتمكنوا من البقاء في شبه جزيرة أيبريا مع تَراجُع الحكم الإسلامي وبعد طَرْد يهود البرتغال عام 1480 وطَرْد يهود إسبانيا عام 1492. وقد أطلق عليهم أيضاً تعبير «كونفرسوس»، أي «الذين اهتدوا إلى دين جديد»، و«كريستاوس نوفوس»، أو «المسيحيون الجدد». وكلمة «مارانو» التي أحرزت شيوعاً في القرن السادس عشر ليست معروفة الأصل على وجه التحديد. وفيما يلى بعض الكلمات والعبارات التي قد تكون أصلاً للكلمة:

1 ـ  «مارانو» كلمة باللهجة الإسبانية القديمة معناها «خنزير».

2 ـ  «ماترانثا» كلمة إسبانية معناها «الملعون».

3 ـ  «المُرائي» كلمة عربية معناها «منافق».

4 ـ  «مارئيت عيين» عبارة عبرية معناها «ظاهر للعين»، فهو يُظهر المسيحية ويبطن اليهودية.

5 ـ  «محوّرام أتاه» كلمة عبرية معناها «أنت مطرود من حظيرة الدين».

6 ـ  «مَارَن أث» عبارة آرامية معناها «أنت مولانا»، والخطاب فيها موجَّه إلى المسيح. وكان محتوماً على اليهودي أن ينطق بها كثيراً لإبعاد الشبهة عن نفسه.

والأصل الإسباني للكلمة هو الأكثر رجوحاً.

ولم يكن المصطلح ذائعاً في الأوساط الرسمية، ولم يرد في أي من الوثائق الرسمية الخاصة بمحاكم التفتيش. والمقابل العبري هو «أنوسيم»، أي «المُكرَهون» أو الذين «قُسروا» على التنصر. ويُشار أحياناً إلى المارانو بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا واستيطانهم مختلف دول أوربا، خصوصاً هولندا، باسم «البرتغاليون»، باعتبار أن أغلبيتهم جاءت من هناك، كما يشار إليهم كذلك بكلمة «السفارد» باعتبار أنهم جميعاً من السفارد، أي من شبه جزيرة أيبريا. ورغم أن الدراسات تُوحِّد بين المسيحيين الجدد ويهود المارانو وتقرن بينهما، فإننا، كما سنبين فيما بعد، نرى أن هذا الترادف خاطئ. ولكننا، مع هذا، نضطر إلى استخدامه بسبب شيوعه وبسبب إبهام هوية المارانو كما سنبين لاحقاً.

وقد كانت هناك حالات متفرقة من التَنصُّر القسري في العالمين الإسلامي والمسيحي. وقد وقعت مثل هذه الحالات في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي، وفي أوربا المسيحية مع حروب الفرنجة وغيرها. لكن مثل هذا التنصر ظل الاستثناء لا القاعدة، لأن الكنيسة كانت تقف ضده، نظراً لأن مثل هذه العملية تُفقد فكرة الشعب الشاهد مضمونها. فهذه الفكرة، التي كانت تَحكُم علاقة الكنيسة بأعضاء الجماعات اليهودية، تذهب إلى أن اليهود في ذُلِّهم وضعفهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسـة وانتصارها، وسيكون تَنصُّرهم في نهاية الأمر أكبر قرينة على هذه العظمة. ومن ثم، يكون التَنصُّر اليهودي طوعاً علامة على هذه العظمة. أما التنصُّر القسري فلا يضيف إلى أمجاد الكنيسة، ولذلك كانت الكنيسـة تسـمح لليهود الذين نُصِّروا عنوة بالعودة إلى دينهم الأصلي.

ولكن الأمر يختلف بالنسبة للمارانو الذين يبدأ تاريخهم عام 1391 حين نشبت اضطرابات ضد يهود إسبانيا وقامت مظاهرات عرضت عليهم إما « الموت أو الصلب ». وقد أدَّت هذه الاضطرابات إلى تَنصُّر أعداد كبيرة من اليهود بشكل قسري. ولكن تبع هذا موجة تَنصُّر طوعي، بسبب انكسار أعضاء الجماعات اليهودية وهبوط الروح المعنوية. فضلاً عن أن يهود إسبانيا كانوا مُستوعَبين في الثقافة العقلانية الرشدية (نسبة إلى ابن رشد) التي قوضت إيمانهم الديني. كما أن كثيراً من أعضاء النخب الثقافية والمالية اليهودية كانت لهم مصالح مالية متشابكة مع مجتمع الأغلبية (المسيحي). ثم قامت حركة تنصير أخرى عام 1411 - 1412. ويمكن القول بأن تَنصُّر الغالبية العظمى كان حقيقياً، ولكن ظلت هناك أعداد ممن مارسوا الطقوس اليهودية بشكل خفي. وقد عاش اليهود المتنصرون ومدَّعو التَنصُّر جنباً إلى جنب مع أعضاء الجماعة اليهودية، بينما حاولت الدولة الإسبانية قَدْر استطاعتها أن تفصل بين الفريقين. وقد احتفظ كثير من المتنصرين بمهاراتهم الحرَفيِّة والإدارية واتصالاتهم التجارية كأعضاء في الجماعة الوظيفية اليهودية، وقد حققوا بسبب ذلك حراكاً اجتماعياً غير عادي، ولَّد الأحقاد ضدهم من قبَل بعض عناصر الأرستقراطية القديمة.

وبعد سقوط غرناطة (واستعادة كل شبه جزيرة أيبريا) واجهت الدولة الجديدة مشكلة سكانية، وهي أن معظم سكان شبه الجزيرة كانوا إما مسلمين أو يهوداً أو من أصول مسلمة أو يهودية، ولم تكن توجد سـوى أقلية مسـيحية، ومن هنا لم يكن مفر من طرد العناصر غير المسيحية، لخَلْق التوازن السكاني لصالح المسيحيين، الأمر الذي يتطلبه أمن الدولة.

لهذا كان لابد من طرد المسلمين واليهود، فعُرض عليهم إما التنصر أو مغادرة البلاد. وقد تَنصَّرت أعداد كبيرة من اليهود انضمت إلى الأعداد التي تَنصَّرت قبل ذلك. لكن العناصر الدينية الصلبة قررت اللجوء إلى البرتغال التي قدَّمت لهم حق اللجوء المؤقت، نظير ضريبة يدفعونها. ولكن حينما اعتلى مانويل الأول العرش عام 1495 تغيَّرت السياسة تجاه اليهود. فمانويل كان يطمح إلى تحويل البرتغال إلى قوة تجارية عالمية، ووجد أن السبيل إلى ذلك هو أن يحكم ابنه مملكة موحَّدة في كل شبه جزيرة أيبريا، ولذا حاول أن يزوج ابنه من إبنة فرديناند وإيزابيلا، فوافق الملكان شريطة أن يقـوم بطرد اليهود من البرتغـال. وقد سبَّب هـذا حيـرة حقـيقية لمانويل، فهو من ناحية كان حريصاً على إتمام هذا الزواج، ولكنه في الوقت نفسه كان يهمه الحفاظ على أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية ليستفيد من خبراتهم التجارية في بناء إمبراطوريته التجارية. وقد حلّ مانويل هذه المشكلة بأن احتفظ باليهود وفرض عليهم التنصُّر القسري، ولكنه منحهم في الوقت ذاته حريتهم الدينية والحصانة ضد محاكم التفتيش لمدة عشرة أعوام. وقد اندمج المتنصِّرون في مجتمع الأغلبية، ولكن، كما هو الحال في إسبانيا من قبل، ظلت هناك عناصر تمارس الطقوس اليهودية سراً.

ويُلاحَظ أن اليهود المتنصرين في البرتغال كانوا يشكلون كتلة بشرية كبيرة (كانت تصل، حسب بعض التقديرات، إلى 10% من إجمالي عدد السكان).وكان اليهود الذين فُرضت عليهم اليهودية في البرتغال من العناصر الصلبة، كما أسلفنا، ولذا احتفظوا بتماسكهم حتى أنهم كانوا يُسمّون أحياناً «اليهود» بشكل علني أو «الأمة» أو «رجال الأعمال» (بالبرتغالية: أومينز دي نيجوسيوس homens de negocios)،كما كانت لهم اتصالاتهم التجارية والمالية المهمة. وقد أدَّى هذا إلى بروزهم في التجارة الدولية حتى أصبحت كلمة «برتغالي» مرادفة لكلمة «يهودي» في أنحاء أوربا.وقد كوَّنوا جماعة ضغط قوية داخل البرتغال نفسها وكان لهم سفير خاص في روما،نجح في تقديم الرشاوى التي أخّرت إنشاء محاكم التفتيش في البرتغال.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثاني