الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الصابـرا:  جيل ما قبل عام 1967

Sabra:  Pre 1967 Generation

«صابرا» كلمة عبرية مُشتقَّة من الكلمة العربية «الصبار» أو «التين الشوكي»، وقد تَردَّد المصطلح بمعناه الاجتماعي، لأول مرة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة حيث أطلق في مدرسة هرتزليا الثانوية في تل أبيب على التلاميذ اليهود من مواليد فلسطين والذين كانوا يُحسّون نقصاً حيال أقرانهم الأوربيين الأكثر تَفوُّقاً في الدراسة مما كان يجعلهم يلجأون إلى تعويض هذا الشعور بتَحدِّي هؤلاء الأوربيين بنوع من النشاط الخشن يرد لهم اعتبارهم. وقد تمثل ذلك النشاط في الإمساك بثمرات التين الشوكي وتقشيرها بالأيدي العارية، وهي مهارة يدوية تأتي بالمران والممارسة وليس من خلال الدراسة الفكرية. وقد أصبحت كلمة «الصابرا» تُطلَق اسماً على كل يهودي يُولَد في فلسطين. ومن المصطلحات الأخرى المرتبطة  بها كلمة «شوتسباه» اليديشية التي تشير إلى مجموعة من الصفات مثل الجرأة الزائدة، التي قد تصل إلى حد الوقاحة، والسذاجة المختلطة بالذكاء. وحسب الرؤية الإسرائيلية الشائعة، فإن جيل الصابرا يتسم بالشوتسباه، أي الجرأ الزائدة هذه. ومن صفات الصابرا أيضاً ما يُسمَّى «تسيفتسوف إيحاد جادول»، وهي عبارة عبرية تعني «تصفيرة واحدة كبيرة»، وتشير إلى مقدرة جيل الصابرا على أن يسخر من كل المشاكل ويقابلها بهذه التصفيرة. ويُشار إلى لغة الصابرا بأنها لغة «الدوغري»، وهي كلمة عامية مصرية شائعة معناها «مباشر ولا يحب اللف أو الدوران».

ومصطلح «الصابرا»، والمصطلحات المرتبطة به، تؤكد صفات مُحدَّدة في شـخصية صاحبها، أي أبناء المسـتوطنين الصهاينة الذين وُلدوا ونشـأوا في فلسطين، ومن أهمها معاداة الفكر والمقدرة على التعامل مع الواقع بشكل مباشر. وهذه الصورة موضوع أساسي كامن في الفكر الصهيوني الذي يَصدُر عن نقد ما يُسمَّى «شخصية يهود المنفى»، باعتبارهم شخصيات مريضة ضعيفة هزيلة حزينة شاحبة منغلقة هامشية قلقة يغمرها الإحساس بالذنب ولا تسيطر بأية حال على مستقبلها أو مصيرها مما يُسمَّى في الأدبيات الصهيونية «العجز وانعدام السيادة وممارسة السلطة». وكانت الصهيونية تطرح فكرة تطبيع الشخصية اليهودية، أي جعل اليهود شخصيات طبيعية عن طريق الاستيطان في فلسطين وأداء أعمال يدوية، وعدم الاعتماد على العمالة غير اليهودية، باعتبار أن هذه العملية ستؤدي في نهاية الأمر (حسب التصور الصهيوني) إلى نفي الدياسبورا، أي القضاء على الجماعات اليهودية في الخارج. وقد طرح الصهاينة ما سمّوه «اليهودي الخالص»، وهو اليهودي مائة بالمائة الذي يُجسِّد القيم الصهيونية الجديدة، بديلاً ليهودي المنفى. وكان من المُتوقَّع أن يكون المُستوطن الصهيوني هو آخر يهـود المنفـى وأول اليهـود الخُلَّص الذين لا تشـوبهم شـائبة من عالم الأغيار، وهذا هو ما عبَّروا عنه في قولهم: "فلتكن آخر اليهود وأول العبرانيين". وقد تنبأ الشاعر الصهيوني نحمان بياليك بتطبيع اليهود، وأنهم سيصلون إلى هذا المستوى حين تظهر أول بغيّ عبرية، وأول لص عبري في فلسطين!

وأخذ المستوطنون يحاولون وَضْع هذه الرؤية موضع التنفيذ بحيث يصبح الإنسان العبراني الجديد نقيض يهود المنفى. وكما قال الشاعر الإسرائيلي تسفي جرينبرج في قصيدة له: "الأمهات اليهود أحضرن أطفالهن إلى الشمس ليحترق الدم الذي يجري في عروقهم ويزداد حمرة، بعد أن بهت في الجيتو وعالم الأغيار!". والإنسان الجديد هو الصابرا؛ هذا الإنسان العبراني المعادي للفكر، القوي البسيط المباشر الذي يرفضه يهود المنفى ولا يفهم هو سلوكهم أو خضوعهم. والصابرا يدين بالولاء لدولته القومية ولا يعاني من أي ازدواج في الولاء، ويحب أن يسير مع الجماعة (وقد جاء في إحدى القصائد الإسرائيلية أن الصابرا، حينما يحلم، يحلم بضمير جمع المتكلمين) ولا ينفصل عنها (جاء في إحدى النكات الإسرائيلية أن عضواً في الكيبوتس قد تركه أصدقاؤه بمفرده، ففكر في الانتحار، وحاول ذلك بالفعل، ولكنه فشل لأنه كان بمفرده). والصابرا لا يؤمن بالدين، فقد تمت علمنته بشكل كامل على النمط الأوربي، كما أن هويته العبرانية هوية قومية مرتبطة بالأرض لا بالقيم الدينية. وهو، علاوة على كل هذا، شخصية منتجة - حسب التصوُّر الصهيوني - تتحكم في مصيرها. وينعكس كل هذا في الأبعاد العسكرية لشخصيته، ولذا نجد أن ذروة هذه الشخصية وأقصى تَحقُّق لها هو الكيبوتسنيك، أي عضو الكيبوتس الذي لا ينتمي إلى أسرة مُحدَّدة ويعيش في مجتمع شبه زراعي شبه عسكري في بيئة مختلفة تماماً عن الجيتو.

وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان أفراد هذا النموذج الجديد بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، فهم يتسمون بكل سمات الأغيار، ومنها معاداة اليهود، ولا يختلفون عنهم إلا في اللغة. وقد أشار آرثر كوستلر إلى النموذج الجديد باعتباره "طرزاناً يهودياً"، أي إنساناً طبيعياً مجرداً من التاريخ والقيم يعيش بقيم الغابة الغربية الداروينية، ولم يبق له من اليهودية سوى الشكل، أي أنه علماني تماماً. ويُشار إليه أحياناً بوصفه «سوبرمان يهودي» قياساً على سوبرمان أو بطل نيتشه الأرقى الذي يُمجِّده الفكر النازي والصهيوني. وبالفعل، نجد أن الصابرا يُجسِّد مجموعة من القيم النيتشوية التي تُعلي من شأن القوة والفعل مقابل الضعف والفكر.

ولكن هذه الرؤية المختلة للذات، والتي لا تستند إلى التاريخ، تحوي داخلها عدة تناقضات نوجزها فيما يلي:

1 -  صورة يهود المَنْفَى صورة كاريكاتورية ساذجة للغاية لا تُعبِّر عن ثراء حياتهم أو عن إنجازاتهم الحقة أو عن تواريخهم المتنوعة، وخصوصاً أن تواريخ اليهود التي يُشار إليها باعتبارها «التاريخ اليهودي» لم تأخذ مسارها في أرض فلسطين وإنما خارجها في المَنْفَى.

2 -  حينما يلجأ أبناء جيل الصابرا إلى رَفْض يهود المَنْفَى، فإنهم يرفضون الماضي الوحيد الذي يمكن أن تستند هويتهم إليه، إذ لا يمكن إدراك الهوية دون ماض. ويُقال إن من صور الصابرا الأساسية المتواترة في الأدب الإسرائيلي أنه جيل يتيم لا أب له؛ طفل أزلي غير قادر على النضوج لأنه لا يتفاعل مع الماضي.

3 -  ومع أن جيل الصابرا يرفض اليهود واليهودية، فإن مشروعه الصهيوني يهدف إلى إنشاء دولة يهودية لحماية اليهود ولتحقيق الهوية اليهودية والجوهر اليهودي. ومعنى ذلك أن شرعية وجوده في فلسطين، والأساس الأخلاقي لطَرْد سكانها، يستندان إلى أساس يهودي افتراضي: رؤى دينية (أو إثنية) يهودية مثل الميثاق أو أرض الميعاد.

وقد تبدَّت هذه التناقضات في شكل تناقص إحساس الصابرا بيهوديتهم. فحين تم استطلاع رأي جيل الصابرا (بعد إنشاء الدولة)، وُجد أن لديهم إحساساً شديداً بهويتهم المُخلَّقة الجديدة تأخذ شكل اعتزاز شديد بالنفس واحتقار عميق ليهود العالم، وخصوصاً أن الملايين التي كان من المفترض قدومها للاستيطان في الأرض المحتلة آثرت البقاء في أوطانها التي يُشار إليها بلفظ «المَنْفَى». كما أفاد الاستطلاع أن الرؤية المباشرة المعادية للفكر عند الصابرا تبدَّت في صورة رَفْض للفكرة الصهيونية ذاتها، وذلك باعتبار أن الصهيونية ليست تجربة وجودية حية وإنما مجرد نظرية تُعبِّر عن استجابة يهود المَنْفَى لعالم الأغيار وعن تطلعاتهم للخلاص منه وبرنامج لإصلاحهم وتطبيعهم، الأمر الذي لا ينطبق على الصابرا الذين يعيشون واقعهم الجديد. أما معاداة اليهود، إحدى ركائز الصهيونيـة، فهي بالنسـبة للصابرا محـض ذكريات الآباء والأجداد، لا يشاركون هم فيها. بل إن الفرد من جيل الصابرا، حينما ينظر إلى هذه الذكريات أو «الماضي اليهودي»، لا يُبدي سوى الازدراء له لاقترانه بالضعف والسلبية، فهو لا يقبل مثلاً سلوك الستة ملايين الذين يُزعَم أنهم أبيدوا بغير مقاومة على يد النازيين.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثاني