الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













وقد بدأت تظهر في هذه الفترة فكرة نفع اليهود. وقد عبَّر الكاتب الإنجليزي أديسون، محرر مجلة الإسبكتاتور ، عن هذا الجانب من المفهوم بشكل دقيق للغاية في مقال بتاريخ 27 ديسمبر 1712 قال فيه: « إن اليهود منتشرون في جميع المناطق التجارية في العالم حتى أنهم أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة، فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بلا قيمة في حد ذاتهم، فإن أهميتهم  مطلقة لأنهم يحفظون للهيكل كله تماسكه ». وما يهمه من اليهود كشعب عضوي، إذن، هو كونهم أداة مهمة وحسب. ولذلك فهو لا يَشُنُّ عليهم هجوماً ولا يُشهِّر بهم، فما يهمه هو توظيف هذه الكتلة البشرية. وستتكفل عملية التوظيف هذه بتخليص أوربا منهم بالطرق السلمية، أي أن نموذج الشعب العضوي المنبوذ تَحوُّل تدريجياً ليصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ النافع (وهذا هو جوهر الصهيونية). وقد طُرحت في عصر الاستنارة إشكالية مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم حتى يتسنى الاستفادة منهم.

وهكذا أصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ نموذجاً تفسيرياً أساسياً في الوجدان العقلي والعاطفي في الغرب بما يؤدي إليه من حلول صهيونية واضحة أو كامنة. وقد أصبح هذا النموذج، مع بداية القرن التاسع عشر، بُعداً أساسياً في الفكر السياسي الغربي تجاه اليهود  والشرق. كما تمت مزاوجة المسألة اليهودية (الشعب المنبوذ) بالمسألة الشرقية (الدولة العثمانية وتقسيمها) بحيث يمكن حل المسألة الأولى، أي التخلص من اليهود، عن طريق استخدامهم كمادة بشرية في المسألة الثانية. وكان نابليون من أوائل السياسيين الذين توصلوا إلى هذه الصيغة. فهو أول سياسي يدعو اليهود، من حيث هم يهود، إلى الاستيطان في فلسطين، محاولاً الاستفادة منهم كمادة استيطانية في مشروعه الاستعماري. أما على مستوى فرنسا ذاتها، فقد كان الأمر جدُّ مختلف. فقد أصدر نابليون من التشريعات ما قضى عليهم كشعب عضوي، ووضع الخطط التي أدَّت في نهاية الأمر إلى دمجهم في الأمة الفرنسية.

ونموذج الشعب العضوي المنبوذ هو ذاته النموذج الرئيسي وراء فكر بول باستيل زعيم حركة الديسمبريين في روسيا، فقد كان يرى أن اليهود « يحافظون دوماً على روابط وثيقة بدرجة لا تُصدَّق، بسبب الدين والسيطرة الحاخامية على أوجه الحياة جميعاً »، أي أنهم شعب عضوي. والحل هو « إما تخليص اليهود من خصوصيتهم، واستيعابهم استيعاباً تاماً، أو مساعدتهم على تأسيس دولتهم الخاصة المستقلة في منطقة ما من آسيا الصغرى. ولهذا يجب تعيين نقطة تَجمُّع الشعب اليهودي بمساعدة بعض الجنود. وإذا تَجمَّع في مكان واحد جميع اليهود الروس والبولنديين، فإن عددهم سيبلغ أكثر من مليونين، وبعد أن يجتازوا أوربا التركية فإنهم يستطيعون أن يعبروا إلى تركيا الآسيوية حيث يمكنهم بعد الاستيلاء على أرض كافية لتأسيس دولة يهودية مستقلة». وبهذا، فإن باستيل ينظر إلى اليهود باعتبارهم مادة استيطانية يمكنه استخدامها كوسيلة في الصراع الناشب بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية.

وقد أصبح النموذج أيضاً بُعداً أساسياً في الفكر الاستعماري الإنجليزي، فنجد أن لورد شافتسبري يتحدث عن اليهود باعتبارهم عنصراً مستقلاً له سماته القومية المستقلة، ولكنه عنصر طفيلي فاسد. وانطلاقاً من هذا، فقد عارض مَنْحَهم الحقوق الدينية، ولكنه بذل جهوداً كبيرة في سبيل اتخاذ الخطوات اللازمة لتوطينهم في فلسطين. وقد تبنَّت وزارة المستعمرات رأيه منذ عام 1840.

ويستمر هذا الخط ليصل إلى بلفور الذي كان يؤمن إيماناً جازماً بأن اليهود كيان تختلط فيه القومية بالدين. وأنهم كيان غريب على الحضارة الغربية التي لم تسـتطع اسـتيعابهم. وكان بلفور يرى أن اليهـود، بطفيليتهم وعدم انتمائهم، يشـكلون عبئاً على الحضـارة الغربية، فاستصدر عام 1905 من القوانين ما يُوقف مد الهجرة اليهودية إلى إنجلترا. ولكن وزارته وافقت في العام نفسه على مشروع شرق أفريقيا. ثم ساهم بلفور، بعد ذلك، في استصدار الوعد الذي سُمي باسمه. والواقع أن كلا المشروعين يهدف إلى تخليص أوربا من اليهود، وذلك عن طريق الاستفادة منهم في مكان آخر.

وفي الفكر الاشتراكي الغربي، ظهر نموذج الشعب العضوي المنبوذ في فكر فورييه وتلاميذه، خصوصاً توسينيل وأدولف إلايزا الذي شبَّه اليهود بالبكتريا القذرة التي تحمل العفن إلى أي مكان تحل فيه. ويُلاحَظ أن الصورة المجازية هنا عضوية، تماماً مثل الشعب العضوي، وهي صورة مجازية استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو والزعيم النازي هتلر. وقد تَبنَّى هؤلاء حلاًّ صهيونياً للمسألة اليهودية وطلبوا من اليهود أن يرحلوا إلى "بلادهم"!

وحينما ظهرت الصهيونية بين اليهود، كان هناك تَلازُم أيضاً بين نموذج الشعب العضوي المنبوذ وبين الاستيطان الصهيوني. وقد تَقبَّل كثير من الصهاينة هذا النموذج التفسيري وأسسوا عليها نظريتهم الصهيونية، فرددوا أن اليهود طفيليون، كريهون لا أخلاقيون، ويجب تطبيعهم عن طريق تطويعهم من أجل خدمة المشروع الاستعماري الغربي وتوطينهم في فلسطين. وفي أوائل القرن الحالي، كانت الزعامة الصهيونية في ألمانيا تؤكد تَدنِّي اليهود ووضاعتهم وعدم انتمائهم لإسباغ الشرعية والمعقولية على المشروع الصهيوني. ولهذا فقد قَبلت المقولات الأساسية لمعاداة اليهود واستوعبتها في بناء النسق الفكري الصهيوني ذاته. وقد ظهر الفكر النازي في هذه التربة، وهو فكر ينطلق من فكرة أن الشعب العضوي الألماني والشعب العضوي اليهودي المنبوذ يجب ألا يختلطا حتى يحتفظ كلٌّ بهويته العضوية. وقد بيَّن ألفريد روزنبرج، أهم مُنظِّري العقيدة النازية، إبان محاكمته في نورمبرج، أنه تَبنَّى رؤية بوبر حيث أعلن أن اليهود يجب يعودوا إلى أرض آسيا حتى يمكنهم (هناك فقط) العثور على جذور الدم اليهودي.

وقد وردت في قوانين نورمبرج الفقرة التالية عن الصهيونية ومبرراتها: "لو كان لليهود [أي الشعب العضوي المنبوذ] دولة خاصة بهـم تضمهـم جميعـاً في وطــن واحـد، لأمكن اعتبار المشكـلة اليهوديــة محلولة حتى بالنسبة إلى اليهود أنفسهم". ومن ثم، فــإن النازيين لم يكونوا ضد المشاريع الاستيطانية الصهيونية التـي تهـدف إلى التخلـص من اليهــود. ولكن، لسوء حظ ألمانيا واليهـود، لم يكن لدى ألمانيا مستعمرات في آسيا وأفريقيا (بعد إجهاض مشروعها الاستعماري على أيدي الدول الاستعمارية الأخرى). وربما، لو وُجدت مثل هذه المستعمرات الألمانية، لقام هتلر بكفاءته المعهودة بنقل فائض أوربا المنبوذ وانتفع منه ومن إمكانياته، بدلاً من إبادته وحرقه. ولكن مجال ألمانيا الحيوي في أوربا كان آهلاً بالسكان، ولذا، لم يكن بوسع هتلر سوى إبادة اليهود بدلاً من نقلهم (حسب منطق أوربا العملي المادي).

وقد لاحَظ كثير من المثقفين الألمان اللوثريين أعداء النازية ذلك التَطابُق بين الفكرة الغربية الخاصة بالشعب العضوي ونموذج الشعب العضوي كما عبَّر عنها الصهاينة، وقال ريتشارد كودينهوف كاليرجي، وهو من أكبر مناهضي العنصرية، إن القوميتين اليهودية والنازية حركتان حولتا الدنيا والمادة إلى مقولات ميتافيزيقية، أي إلى دين، وكلتاهما تُضفي صفة نسبية على كل القيم باستثناء القيم العرْقية وعلاقات الدم والتربة، بحيث تختفي جميع المعايير إلا معيارالعرْق. ثم أشار كاليرجي إلى أن كلتا الحركتين قبلتا القول بأن ألمانيا لا يمكنها استيعاب اليهود.

وقد اختفى نموذج الشعب العضوي المنبوذ إلى حدٍّ كبير من كتابات الصهاينة والمفكرين الغربيين بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه لا يزال النموذج الفعال الكامن في كل الكتابات والمشاريع الصهيونية. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الشعب المقدَّس بين أعضاء جماعة جوش إيمونيم. وعندهم، كذلك، أن هذا الشعب يعيش وحده ولا يُحسَب بين الأمم، فهو شعب مقدَّس عضوي منبوذ. وتَنبُع أهمية فكرة الشعب العضوي المنبوذ من أنها تُبيِّن العلاقة العضوية الكامنة بين الصهاينة وأعداء اليهود.

سابق

الرجوع إلى فهرس الجزء الأول من المجلد الثاني