الجماعات الوظيفية العميلة
«الجماعة الوظيفية العميلة» هي جماعة وظيفية لا تقوم على خدمة أعضاء المجتمع كافة، فهي ترتبط ارتباطاً شبه عضوي بالطبقة الحاكمة التي تستخدمها كأداة لقمع المحكومين واستغلالهم. ولعل من أهم الأمثلة على الجماعة الوظيفية العمـيلة جماعات المرابين (من اليهـود وغير اليهود) في العصور الوسـطى في الغرب (وخصـوصاً بعد القرن الخامس عشر). فلم يكن المرابي، مثل التاجر، أداة توصيل للسلع بين المنتج والمستهلك، وإنما كان أداة استغلال في يد الحاكم. وكذلك الجنود المرتزقة حينما كانوا يضطلعون بوظيفة حماية الحاكم (مثل الحرس السويسري في فرنسا قبل الثورة الفرنسية)، فهم أيضاً جماعة وظيفية عميلة لا يدافع أعضاؤها عن المجتمع المضيف (كالمماليك) وإنما يقومون بقمع الجماهير لصالح النخبة الحاكمة.
ويُلاحَظ أن الجماعة العميلة لا تبدأ بالضرورة كذلك، فقد تبدأ كجماعة وظيفية ثم تصبح من خلال الظروف التاريخية جماعة عميلة. ولتوضيح هذه الفكرة سنضرب مثلاً بالزرادشتيين، وهم عبدة نار هاجروا من إيران إلى الهند بعد الفتح الإسلامي واستقروا فيها، فقد كانوا يتحدثون الجوجورات ويلبسون أزياء الهنود وكانوا جماعة وظيفية تعمل بالزراعة والتجارة وتجارة الخمور، كما كان منهم الحرفيون. ورغم عزلتهم، فقد كانوا يضطلعون بوظيفة يحتاج إليها المجتمع، ولذا لم يكن هناك أي تحريض ضدهم. وبعد الاحتلال البريطاني للهند تحوَّل الزرادشتيون إلى جماعة عميلة، فأصبحوا ممثلين للشركات الأجنبية وتعاونوا مع ممثلي الاستعمار الإنجليزي. وبحلول عام 1864، أصبحت بومباي مركز نشاط الزرادشتيين وازداد تركُّزهم فيها وأصبحوا من أكثر الجماعات في الهند تركُّزاً في المدن، واشتغلت أعداد كبيرة منهم بالتجارة وتبادل العملات والمزايدات والعقارات، كما أصبحوا رواداً في تأسيس مصانع النسيج والصحف والمدارس على النظام الغربي. وقد قاموا بتحديث دينهم نفسه وخدموا في الحكومة الهندية كمساعدين للإنجليز. وكانوا يرون أن وظيفتهم تتوقف أساساً على مدى ولائهم للنخبة الحاكمة، وكانوا أيضاً يعتبرون أن الحكم البريطاني قد أتى لهم بالاستقرار والأمن والسلام.
ومع بدايات الحركة القومية الهندية في أواخر القرن التاسع عشر، حينما كانت هذه الحركة لا تزال تتسم بما يُسـمَّى «الاعتدال»، أي عدم المواجـهـة مع الاسـتعمار الإنجـليزي، انخـرطت أعـداد منهم في صفـوف قيادتها. ولكن، مع حدة المواجهة، انسحب الزرادشتيون وبدأت تظهر بينهم اتجاهات معادية للهنود، ثم تَنصَّـل الزرادشتيون من هويتهم "الشرقية" وعرَّفوا أنفسهم باعتبارهم من "الجنس الأبيض". ومع اقتراب استقلال الهند، حاولوا أن يحصلوا على دويلة مستقلة ولكن حزب المؤتمر عارض هذا الاتجاه. وبعد إعلان استقلال الهند، هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة. وهناك دياسبورا زرادشتية في الولايات المتحدة، وهي أقلية تشبه الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة في كثير من الوجوه، فهم يتمتعون بدرجة عالية من التعليم وقد جرت علمنتهم ودمجهم وأمركتهم، لكنهم (مع هذا) يقاومون الاندماج ويتحدثون عن الهوية الزرادشتية المستقلة!
وقد حاول الاستعمار الغربي في العالم العربي أن يحقق شيئاً من هذا القبيل مع أعضاء الأقليات الدينية والإثنية، فحاول استقطابهم وتحويلهم إلى جماعات وظيفية عميلة تدين له بالولاء. فقامت جماعة الأليانس بنشر اللغة والثقافة الفرنسيتين بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي، في مصر والجزائر وفي غيرهما من البلدان، كما أُتيحـت لهم فرصة الحـصول على الجـنسيات الأوربية ومن ثم الاسـتفادة من المزايا الممنوحة للأجـانب. ويمكننا أن ننظر لهذه العملية باعتبارها عملية مُكمِّلة للاستعمار الاستيطاني الغربي الذي وصل إلى قمته في تأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين والجيب الاستيطاني في الجزائر. والاستعمار الاستيطاني هو وصول عنصر سكاني غريب يغرس نفسه غرساً في البلد المستعمر ويدين بالولاء للوطن الأم ويرتبط به ثقافياً ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وهذه العملية لا تختلف عن ذلك كثيراً، ولكن بدلاً من استيراد عنصر بشري غريب يقوم الاستعمار بالبحث عن عنصر بشري محلي فيغويه ويستوعبه ويُحوِّله إلى عنصر غريب عميل يرتبط ثقافياً به ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وقد نجح الاستعمار نجاحاً كبيراً حتى أن معظم يهود العالم العربي، عند إنشاء الدولة الصهيونية، كانوا قد أصبحوا (ثقافياً واقتصادياً) جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي، وحصلت أعداد كبيرة منهم على الجنسيات الأوربية (كل يهود الجزائر ومعظم يهود تونس والمغرب وأكثر من نصف يهود مصر... وهكذا)، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية عميلة، ومن ثم كان من السهل عليهم الهجرة والانضمام إلى الدولة الوظيفية الاستيطانية والقتالية في إسرائيل.
والملاحظ أن يهود مصر كانوا مندمجين في مجتمعهم المصري اندماج أقباطها، إلا أن الاستعمار فشل في استقطاب أعضاء الجماعة القبطية وفي تحويلهم إلى جماعة وظيفية عميلة يتم حوسلتها لصالحه. ولعل هذا يعود إلى أن الجماعة القبطية في المجتمع المصري لم تتحول إلى جماعة وظيفية تتسم بسمات الجماعات الوظيفية (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ الانفصال عن المكان والزمان والهوية الوهمية ـ الحركية ـ ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية) وظلت جزءاً من نسيج المجتمع المصري للأسباب التالية:
1 ـ لم يكن أقباط مصر عنصراً مُستجلَباً وإنما كانوا من سكان مصر الأصليين وكانت غالبيتهم من الفلاحين وكان من بينهم ملاك الأراضي والصناع والكتبة والمهنيون، أي أنهم كانوا يشغلون مختلف مواقع الهرم الإنتاجي، بل إنهم لم يكونوا مُمثَّلين في النخبة الحاكمة اليونانية والمغتصبة. وبعد الفتح الإسلامي، وفي إطار مفهوم أهل الذمة، لم يُحظَر عليهم الاشتغال بالزراعة أو الحرف (كما هو الحال في الحضارة الغربية الوسيطة)، بل أصبح الهرم الإنتاجي مفتوحاً أمامهم، ولذا فإنهم لم يخضعوا لأي تمييز وظيفي أو مهني ولم يتم عزلهم نفسياً أو جسدياً ولم تتم حوسلتهم وترشيدهم إلا بالقدر المألوف في المجتمعات التقليدية واللازم لإدارة المجتمع، والذي يُطبَّق على كل قطاعات المجتمع البشرية.
2 ـ تغيَّرت لغة أقباط مصر من القبطية إلى العربية، وهو ما يعني أنهم تبنوا الخطاب الحضاري الجديد دون أن يفقدوا بالضرورة هويتهم الدينية المتميِّزة، بل إن هذه الهوية الدينية نفسها تم تعريبها. أي أن أقباط مصر أمكنهم الاستمرار في الإبداع الحضاري وفي التعبير عن هويتهم من خلال الخطاب الحضاري القائم، وقد قلل هذا عزلتهم وغربتهم وعمَّق من انتمائهم إلى المجتمع.
|