الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













العلمانية الشاملة من التحديث والحداثة إلى ما بعد الحداثة: تاريخ

لا يمكن كتابة تاريخ بدون نموذج (في الواقع لا يمكن بدون نموذج كتابة أي شيء، سوى قائمة المشتريات من البقال). ونحن نُميِّز بين المتتالية المثالية المُفترَضة (أي المشروع الإصلاحي والأماني التي يؤمن بها أصحاب رؤية/ نموذج ما) والمتتالية الفعلية المتحققة. والمتتالية المثالية العلمانية التحديثية المُفترَضة تدور في إطار الواحدية المادية، وكان المفروض أن تؤدي حلقاتها إلى نهاية سعيدة: سيطرة الإنسان على الطبيعة وعلى نفسه وتأكيد مركزيته المطلقة في الكون (الاستنارة المضيئة والعقلانية المادية). ولكن هذه المتتالية كانت تحوي داخلها تناقضات النظم الواحدية المادية (تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة في الوقت نفسه الذات ـ الإنسانية مقابل الموضوع الطبيعي المادي ـ الكل مقابل الجزء ـ التجاوز مقابل الإذعان والتكيف ـ المعنى والثبات مقابل الحركة التي لا معنى لها). وأثناء عملية التحقق التاريخي، عبَّرت هذه التناقضات تدريجياً عن نفسها، وأدركها الإنسان الغربي ثم حُسمت، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، لصالح العنصر الثاني في الثنائية، وبدلاً من انتصار الإنسان، تم تفكيكه ورَدُّه إلى المبدأ المادي الواحد (الاستنارة المظلمة واللاعقلانية المادية). وتم الانتقال من رؤى التحديث (البطولية) إلى واقع الحداثة (العبثي)، ثم استقر المطاف عند عالم ما بعد الحداثة (البرجماتي). ورغم أن التدرج يتم عبر ثلاث حلقات إلا أننا نتحدث في الواقع عن مرحلتين اثنتين: التحديث (والحداثة) مقابل ما بعد الحداثة لأن المرحلة الثانية كانت قصيرة جداً ولم تكن سوى مرحلة انتقالية بين الأولى والثانية. ونحن نرى أن اللحظة الفارقة كانت في الستينيات، ولذا فنحن نحدد عام 1965 باعتباره عام انتهاء المرحلة الأولى وبداية المرحلة الثانية.

والفرق الأساسي بين المرحلتين أن الأولى تتميَّز بوجود مركز واحد أو مركزين متصارعين (الإنسان والطبيعة) ولذا فهي صلبة، أما الثانية فتتميَّز بتعدُّد مفرط في المراكز أو بعدم وجود مركز فهي سائلة. ولنا أن نلاحظ وجود مجموعة من الثنائيات الفرعية (الإنتاج مقابل الاستهلاك ـ المنفعة [البرانية] مقابل اللذة [الجسدية] ـ التحكم والإرجاء مقابل الانفلات والإشباع المباشر ـ التراكم مقابل التبديد والإنفاق ـ الدولة مقابل السوق) وهي ثنائيات تعكس ثنائية الصلب والسائل، فالإنتاج والمنفعة والتحكم والإرجاء والتراكم والدولة تفترض وجود مركز للكون (إنساني أو طبيعي)، أي أنها تعبير عن العقلانية المادية. أما الطرف الثاني (الاستهلاك واللذة والانفلات والإشباع المباشر والتبديد والسوق) فيفترض انعدام الحدود وغياب المركز. ومن ثم تتساوى كل الأشياء وتختفي الثنائية الصلبة لتحل محلها سيولة شاملة، وتختفي المادية القديمة لتحل محلها المادية الجديدة، وتختفي العقلانية المادية لتحل محلها اللاعقلانية المادية.

وقد لاحظنا أن العلوم الإنسانية الغربية تتناول الواقع الغربي وكأنه مجموعة ظواهر مستقلة، لها تواريخ مستقلة، كما أنها تخلط بين المشروع الإصلاحي والآمـال من جهـة، والواقع التاريخي المتحقق (البنية التي تحققت) من جهة أخرى. وسنحاول في هذا الدراسـة أن نسـتخدم نموذجاً تحليلياً واحداً لنبيِّن الاستمرار والانقطاع في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة، وأن ثمة وحدة فضفاضة وراء كل الظواهر المتنوعة، أي أنها وحدة لا تَجُبُّ التنوع، واسـتمرارية لا تَجُبُّ الانقطاع والتحولات النوعية.

وفي تصوُّرنا أن تقسيم تاريخ الحضارة الغربية الحديثة الذي نقترحه له قيمة تفسيرية تحليلية عالية. ومع هذا يتعيَّن علينا أن نلاحظ ما يلي:

1 ـ  نحن ندرك تماماً أن الظواهر التاريخية، بكل تنوعها وتركيبيتها، لا يمكن اختزالها ببساطة إلى مرحلتين. وأن التقسيمات الثنائية بسيطة ومغرية. ورغم أننا قسمنا تاريخ الحضارة الغربية (العلمانية) الحديثة إلى قسمين اثنين: (مرحلة التحديث الصلبة التقشفية ومرحلة ما بعد الحداثة السائلة الفردوسية) فإننا ندرك تماماً أن تقسيماتنا هي إستراتيجية تفسيرية وحسب، وليس لها أي وجود مادي، فهي ليست "إنعكاساً مباشراً" للواقع الموضوعي المادي، وإنما تعبير عن نموذج تفسيري وتحليلي نرى نحن أن له قيمة تفسيرية وتصنيفية، نُخضعه للاختبار، أي أننا نقاوم تَشيُّؤ نموذجنا التفسيري، وندرك أنه لابد أن ينطوي على قدر من تبسيط للواقع.

2 ـ  مرحلة التحديث التقشفية يمكن أن تُقسَّم بدورها إلى عدة مراحل:

أ)  مرحلة التراكم (الرأسمالي الإمبريالي) الأولى: من عصر الاكتشافات حتى اندلاع الثورة الصناعية والفرنسية ونجاحها مع منتصف القرن التاسع عشر. وقد وصلت هذه المرحلة إلى ذروتها في نهاية القرن، وهي مرحلة التحديث وعصر المادية البطولي، والفلسفة العقلانية المادية والمادية القديمة.

ب)  مرحلة التراكم (الرأسمالي الإمبريالي) الثانية: من نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف الستينيات، وهي مرحلة الحداثة العبثية وبداية ظهور اللاعقلانية المادية والمادية الجديدة.

3 ـ  مرحلة ما بعد الحداثة الاستهلاكية الفردوسية (البرجماتية) واللاعقلانية المادية والمادية الجديدة، هي مرحلة لا تزال في بدايتها ولم تتحدد ملامحها بعد، وقد درسناها لا في ذاتها وإنما وضعناها مقابل المرحلة الأولى.

4 ـ  لابد من التنبيه على أن المرحلة الثانية كامنة تماماً في المرحلة الأولى، فالتقشف العاجل كان يتم باسم الاستهلاك الآجل، والقمع كان يتم باسم اللذة الموعودة والإشباع في المستقبل، أي أن الانفتاح الاستهلاكي كان حتمية كامنة في كل النظم المادية مهما بلغت من تقشف، وثمة حتمية للسيولة الفردوسية بعد مرحلة الصلابة البطولية.

5 ـ  تم اختيار عام 1965 لا لأن شيئاً محدداً ملموساً حدث فيه، وإنما لأنه في منتصف الستينيات. ولا يمكن تحديد تاريخ الظواهر الحضارية بالإشارة إلى يوم بعينه أو عام بعينه فهي تتطور بشكل يتجاوز مثل هذا التحديد الدقيق. ومع هذا يظل عام 1965 اختياراً مناسباً في تصورنا، نقطة تَركُّز تقع داخل مُتَصَل طويل.

وفي عرضنا لسمات كلٍّ من المرحلتين (وكذلك المرحلة الانتقالية)، صنفناها إلى مجالات مختلفة، ونحن لا نعطي أولوية سببية لمجال على حساب الآخر، وإنما نرى أن كل المجالات تتفاعل فيما بينها. وغني عن الذكر أن المجالات تتداخل (ومن هنا التكرار أحياناً). وكل مجال ينقسم إلى قسمين: التحديث والحداثة (ويُرمَز له بالحرف أ)، وما بعد الحداثة (ويُرمَز له بالحرف ب).

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الرابع من المجلد الأول