الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













النظام العالمى الجديد وما بعد الحداثة ونهاية التاريخ

يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء معظم الأيديولوجيات العلمانية الشاملة (النازية ـ الماركسية ـ الليبرالية ـ الصهيونية) هو ما يُسمَّى «التطوُّر أحادي الخط» (بالإنجليزية: يوني لينيار unilinear)، أي الإيمان بأن ثمة قانوناً علمياً وطبيعياً واحداً للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر والبشرية كافةً، وأن التقدم هو في الواقع عملية متصاعدة من الترشيد المادي، أي إعادة صياغة الواقع الإنساني في إطار الطبيعة/المادة فتُستبعد كل العناصر الكيفية والمركبة والغامضة والمحفوفة بالأسرار، بحيث يتحول الواقع إلى مادة استعمالية بسيطة ويتحول الإنسان إلى كائن وظيفي أحادي البعد. ومن ثم يمكن توظيف كل من الواقع المادي والإنساني بكفاءة عالية. ثم تتصاعد عمليات الترشيد (والتنميط والتسوية) إلى أن يتحقق حلم اليوتوبيا التكنولوجية، حين تتم برمجة كل شيء، والتحكم في كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، ظاهره وباطنه (ومن ثم يمكن استنساخه ببساطة). وعمليات الترشيد تأخذ شكل مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية (ومن هنا ولع الفكر الغربي بتقسيم التاريخ إلى مراحل محددة).

وتصاعُد عمليات الترشيد على مستوى العالم هو العولمة بحيث يصبح العالم كله مادة استعمالية ويصبح كل البشر كائنات وظيفية أحادية البعد يمكن التنبؤ بسلوكها. وتتصاعد معدلات الترشيد إلى أن تصل سائر المجتمعات البشرية إلى نقطة تتلاقى عندها ويسود التجانس الكامل بينها، وهذا ما يُسمَّى أيضاً «نظرية التلاقي» (بالإنجليزية: كونفيرجانس ثيري convergence theory). والتلاقي هو تَوحُّد النماذج كلها بحيث تتبع نمطاً واحداً وقانوناً عاماً واحداً هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مُكوَّناً من وحدات متجانسـة؛ ما يحـدث في الواحدة يحدث في الأخرى. وقد أشار أحد المعلقين إلى أن ما يحدث الآن في العالم هو سقوط الماركسية وبدلاً من الماركسية، ماركسيزم Marxism، ظهرت عبادة السوق ماركتزم Marketism. وعبادة السوق هذه وهيمنتها على العالم بأسره، بشماله وجنوبه وشرقه وغربه، هي في واقع الأمر نقطة التلاقي التي تحدَّث عنها علم الاجتماع الغربي.

وقد تنبأ ماكس فيبر بأن عمليات الترشيد ستؤدي إلى تحويل المجتمع إلى حالة المصنع وإلى إدخاله القفص الحديدي. ونحن نتفق معه تماماً في صورة القفص الحديدي، ولكننا نذهب إلى أن العالم سيحكمه إيقاع ثُلاثيّ: المصنع (حيث ينتج الإنسان) ـ والسوق (حيث يشتري ويبيع) ـ وأماكن الترفيه (حيث يفرغ ما فيه من طاقة وتوترات وعُقد وأبعاد)، أي أنه إيقاع يستوعب كلاً من الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني ويشبع جميع رغباتهم البسيطة الطبيعية أحادية البُعْد، التي لا علاقة لها بأي تركيب إنساني.

وحينما يسيطر هذا الإيقاع الثلاثي على العالم بأسره يظهر النظام العالمي الجديد وأيديولوجيات نهاية التاريخ وما بعد الحداثة. وهي أيديولوجيات نابعة من الموقف المزدوج لعصر الاستنارة من التاريخ: موقف هيجلي يُقدِّس التاريخ ويؤكد أنه ذا غاية محددة وأنه يصل إلى نهايته حين تتحقق هذه الغاية، وقسم معاد لهيجل يرى أن التاريخ لا غاية له ولا هدف. والتياران، كما سنبين، في تقديسهما وفي عدائهما للتاريخ، ينكرانه.

1 ـ  التاريخ يصل إلى نهايته عند تَحقُّق غايته: فوكوياما وهنتجتون:

أ)  فوكوياما ونهاية التاريخ:

يرى فرانسيس فوكوياما أن كلاًّ من هيجل وماركس كانا يريان أن التاريخ سيصل إلى نهايته حينما تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع الذي يشبع الاحتياجات الأساسية والرئيسية للبشر، فهو عند هيجل الدولة الليبرالية وعند ماركس المجتمع الشيوعي. ولكن العالم بأسره قد وصل إلى ما يشبه الإجماع بشأن الديموقراطية الليبرالية كنظام صـالح للحكم بعد أن ألحـقت الهزيمة بالأيديولوجيات المنافسة. وهذا يعود إلى أن الديموقراطية الليبرالية خالية من تلك التناقضات الأساسية الداخلية التي شابت أشكال الحكم السابقة.

ويستخدم فوكوياما نموذج العلوم الطبيعية (المادية) لتفسير التاريخ. فالعلوم الطبيعية الحديثة تمثل النشاط الاجتماعي المهم الوحيد الذي يُجمع الناس على أنه يتسم بالنمو والتراكم والغائية، ومن ثم يقرر فوكوياما أن منطق العلوم الطبيعية الحديثة يبدو كأنه يفرض على العالم (الطبيعة والإنسان) تطوراً شاملاً يتجه صوب الرأسمالية والسوق الحر، أي أن ما تمكن تسميته «الرأسمالية العلمية»، الممثل الوحيد والحقيقي للمبدأ الطبيعي/المادي الواحد، قد حلت محل ما كان يُسمَّى «الاشتراكية العلمية»، التي كانت تدَّعي لنفسها شرف تمثيل المبدأ الطبيعي. وبذا، تَحوَّل الإنسان في الشرق والغرب إلى الإنسان الاقتصادي (المادي) الذي يمكنه إدارة حياته على أسس علمية رشيدة.

ولكن يبدو أن فوكوياما، بعد أن استخدم نموذج العلوم الطبيعية/المادية بهذه السوقية والفجاجة، وبعد أن أكد أسبقية المادة على الإنسان بشكل مطلق، يحاول أن يراجع نفسه ويقرر أن يُدخل عنصراً إنسانياً غير مادي (وهذا نمط متكرر في الأيديولوجيات المادية العلمانية كافة، فهي لا تستطيع أن تواجه وحشية ماديتها، ومن هنا فإنها تُدخل مُحسِّنات روحية معرفية). والعنصر الإنساني غير المادي الذي يُدخله فوكوياما هو سعي البشر إلى نيل الاعتراف بقدرهم أو الاعتراف بقدر الأشخاص أو الأشياء أو المبادئ التي يعتقدون أن لها قدراً كبيراً (وهو ما يُسمَّى «عزة النفس»). والديموقراطية الليبرالية ستحقق كل ما يريده الإنسان على المستويين الاقتصادي (المادي) والإنساني (غير المادي). ولكن رغم كل هذه المحسنات، نجد أن فوكوياما يثير الشكوك حول إمكان أن يؤدي التطـور التاريخي العلمي إلى سـعادة الإنسان، فالتـأثير النهائي لهذا التطور على سعادة البشر أمر غامض. بل إن فوكوياما يورد، بقدر من الاستحسان، عبارة من كتابات كوجيف (مفسر هيجل الذي يعتمد عليه فوكوياما) يقول فيها: "إن اختفاء الإنسان بانتهاء التاريخ ليس بكارثة كونية [طبيعية/مادية]. فالعالم الطبيعي [المادي] سيبقى كما كان عليه منذ البداية. ولا هو بكارثة بيولوجية، فالإنسان سيبقى حياً كالحيوانات منسجماً مع الطبيعة/المادة". أما ما سيختفي، فهو الإنسـان بمعناه الشـائع؛ والإنسـان بمعـناه الشـائع أمر حضاري تاريخي مُركَّب لا يهتم به الماديون الطبيعيون كثيراً.

إن إعلان فوكوياما نهـاية التاريخ هـو إعلان نهاية الإنسـان وانتصار الطبيعة/المادة، أي الموضوع (اللاإنساني) على الذات (الإنسانية)، ومعناه تَحوُّل العالم بأسره إلى كيان خاضع للقوانين الواحدية المادية (التي تجسدها الحضارة الغربية) التي لا تُفرِّق بين الإنسان والأشياء والحيوان والتي تُحوِّل العالم بأسره إلى مادة استعمالية، فنهاية التاريخ هي في واقع الأمر نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الرابع من المجلد الأول