الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية
ثمة رأي يذهب إلى أن التشـكيل الإمبريالي الغربي يشكل انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة وعن رؤيتها للكون، وأن تَبنِّي الحضارة الغربية للحل الإمبريالي (أي تصدير مشاكلها للخارج والهيمنة على شعوب الأرض وعلى مصادرها الطبيعية) هو حالة من غياب الاتسـاق مع الذات في حضارة ليبرالية إنسـانية مستنيرة ارتضت الديموقراطية فلسفة للحكم، وارتضـت التنافس الحر نسقاً اقتصادياً، كما تبنت العقلانية والإنسانية فلسفة للكون.
وقد دأبت العلوم الإنسانية الغربية على تَناوُل بعض الظواهر باعتبارها ظواهر مستقلة مع أنها، في واقع الأمر، مترابطة بل تكاد تكون واحدة. فيتم مثلاً الفصل بين الاشتراكية والرأسمالية مع أن كلتيهما مبنية على فكرة ترشيد الاقتصاد وتصفيته من أية مضامين أخلاقية، إنسانية كانت أم دينية، فكل منهما اقتصاد يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة (الطبيعة/المادة) وحول السوق/المصنع.
وقد تم الفصل بين الظواهر المترابطة لأسباب عديدة (أشرنا إليها في الباب المعنون «إشكالية تعريف العلمانية» وفي الباب المعنون «نحو نموذج تفسيري شامل ومركب للعلمانية») ويمكن أن نضيف لها هنا أن الخطاب التحليلي الغربي قد استبعد إلى حدٍّ كبير البُعد المعرفي فلم يركز على الأسئلة والمرجعية النهائية وركز على البُعد الاقتصادي وحسب. ولذا، فقد تم تصنيف البشر إلى مستغلين ومستغَلين، وتم تصنيف النظم الاقتصادية على أساس علاقات الإنتاج (أي أن المرجعية الحاكمة والنهائية هي القيمة الاقتصادية)، وأصبحت القضية هي: من الذي يحصل على نصيب أكبر من فائض القيمة، الأثرياء أم الفقراء؟ الشمال أم الجنوب؟ واستناداً إلى هذا المعيار الاقتصادي اليتيم، تمت التفرقة بين الرأسمالية والاشتراكية وتم الربط بين الإمبريالية والرأسمالية من حيث إن النظم الاشتراكية تقوم بتوزيع ثمرة العملية الإنتاجية بالعدل وتعيد استثمار ما تراكم من فوائض من خلال جهاز الدولة لصالح الجميع (وهي مقولات ثَبت كذبها فيما بعد) ولا تقوم بنهب الشعوب الأخرى (نظرياً على الأقل). فالإطار التحليلي ونقطة الانطلاق هي العنصر الاقتصادي وحسب، فهو المصدر وإليه المآل.
ولكن العنصر الاقتصادي يستند إلى مرجعية مادية كامنة إذ يتم النظر للإنسان باعتباره مجرد عنصر مادي خاضع للحركيات الاقتصادية، أي أن الإطار التحليلي الاقتصادي ليس اقتصادياً وحسب، وإنما هو بالضرورة مادي أيضاً وواحدي وكمي، ولذا فهو إما يتجاهل الأسئلة النهائية تماماً أو يعطي إجابات مادية عليها. ولعلنا لو غيَّرنا المقولات التحليلية نفسها لاختلف الأمر كثيراً فعندئذ سنسأل الأسئلة المعرفية الكلية النهائية عن الإنسان: هل هو كائن مستقل عن الطبيعة، يتكون من مادة وشيء آخر (أي يدور في إطار مرجعية مادية ومرجعية متجاوزة) أم أنه مجرد مادة وحسب (يدور في إطار مرجعية كامنة مادية وحسب)؟ هل الإنسان كائن مركب قادر على تَجاوُز واقعه الطبيعي وتَجاوز ذاته الطبيعية، أم أنه كائن طبيعي مادي بسيط، أحادي البُعد، يُذعن تماماً للطبيعة/المادة ويتكيف معها؟ هل النظام الاقتصادي الذي ندرسه يحقق الإنسانية المركبة للإنسان أم يمحوها؟ إن فعلنا ذلك، فإن طريقة تصنيفنا للواقع ستختلف كثيراً إذ سنكتشف أن الاختلاف على المستوى الاقتصادي في طريقة توزيع الثروة في المجتمع الاشتراكي عنه في المجتمع الرأسمالي، لا تؤدي على المستوى المعرفي النهائي إلى اختلافات جوهرية، فكثير من الظواهر التي تهز كيان الإنسان كإنسان (تزايد ترشيد المجتمع وتنميطه ـ تزايد تطبيق المعايير الكمية ـ تَزايُد تَحكُّم البيروقراطيات ـ تزايد هيمنة الأجهزة الإعلامية ـ أزمة المعنى ـ أزمة القيمة ـ الاغتراب ـ التَسلُّع ـ أزمة الأسـرة) تُوجَد في كلٍّ من المجـتمعات الرأسمالية والاشتراكية رغم اختلاف طريقة توزيع الثروة . وليس من قبيل الصدفة أن نجد أن الأدب الحداثي في الدول الاشتراكية والرأسمالية يتناول نفس المشاكل والقضايا والموضوعات، الأمر الذي يشير إلى أن الاختلاف بين الرأسمالية والاشتراكية قد لا يكون جوهرياً من منظور الأثر المُتعيِّن لهذه النظم على الإنسان كإنسان. ولذا، قد يكون من الأجدى التركيز على البُعد النهائي الإنساني وعلى المرجعية النهائية للمجتمع.
ونحن نذهب إلى أن العلمانية (وحدة الوجود المادية والمرجعية المادية الكامنة) هي الإطار المعرفي النهائي للحضارة الغربية الحديثة. ولكننا نذهب أيضاً إلى أن الرؤية العلمانية هي في واقع الأمر رؤية حلولية كمونية مادية لا تفصل الدين عن الدولة وحسب وإنما تعزل القيم المطلقة (المعرفية والأخلاقية والإنسانية والدينية) عن الدنيا، بحيث يصبح مركز الكون كامناً فيه ويُردُّ الواقع بأسره (الإنسان والطبيعة) إلى مستوى واحد، ويصبح كله مجرد مادة محضة نافعة نسبية لا قداسة لها تُوظَّف وتُسخَّر. والهدف من وجود الإنسان في الأرض هو زيادة معرفة قوانين الحركة والطبيعة البشرية والهيمنة عليها من خلال التقدم المستمر الذي لا ينتهي، ومن خلال تَراكُم المعرفة وسد كل الثغرات وقمع الآخر إلى أن يخضع كل شيء (الإنسان والطبيعة) لحكم العقل وقانون الأرقام (وهو قانون يستمد مشروعيته من المعارف العلمية المادية)، بحيث تَحوَّل الواقع بأسره (طبيعة وبشراً) إلى جزء متكامل عضوي تنتظمه شبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات المادية، فيخضع الواقع للواحدية المادية ويصبح أشبه ما يكون بالسوق والمصنع. وقد تم ترشيد كل شيء على هدي المعايير العلمية الواحدية المادية والنماذج التي تستند إلى مفهوم الطبيعة/المادة بحيث أصبح كل شيء فيه محسوباً ومضبوطاً بعد استبعاد كل الاعتبارات غير المادية، مثل الغيبيات والمطلقات والخصوصيات، ذلك لأن ما بداخله غيب أو أسرار، وكل ما هو فردي فريد لا يمكن قياسه أو التحكم فيه أو غزوه أو توظيفه أو حوسلته. وقد تم تهميش الإله أو إلغاؤه باسم الإنسان وصالح الجنس البشري. وبعد إلغاء أية مرجعية متجاوزة، تظهر المرجعية الكامنة فيصبح مركز الكون كامناً فيه، ويصبح الإنسان مركز الكون (دون أي استخلاف من الإله) وتظهر الحركة الإنسانية (الهيومانية). ولكن في إطار المرجعية الكامنة يُختَزل الإنسان ويُردُّ في كليته إلى الطبيعة/المادة، ويصبح إنساناً طبيعياً (مادياً) غير قادر على تجاوز ذاته الطبيعية المادية ولا يتجاوز الطبيعة/المادة بحيث يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية من قوانين وحتميات، وهذا ما يعني أن الإنسان يفقد إنسانيته المركبة وتُنزَع عنه القداسة تماماً. والإنسان الطبيعي إنسان لا حدود ولا قيود عليه، يقف وراء الخير والشر، متمركز حول منفعته ولذته، لا راد لقضائه أو لرغبته في البقاء. وهو لا يلتزم بأية قيم معرفية أو أخلاقية أو أبعاد نهائية، فهو يتبع القانون الطبيعي ولا يلتزم بسواه بل لا يمكنه تجاوزه. لكل هذا أصبح الإنسان كائناً غير قادر إلا على التمركز حول مصلحته ومنفعته ولذته المادية وبقائه المادي، فمفهوم «الإنسانية جمعاء» مفهوم أخلاقي مطلق ميتافيزيقي متجاوز لقوانين المادة، وليس هناك ما يُلزم الإنسان الطبيعي (مرجعية ذاته المتمركز حولها) بأن يؤمن بمثل هذه المطلقات وهذه المُثُل العليا غير المادية، فماذا في قوانين الطبيعة وقوانين الحركة وقوانين الضرورة يُلزمه بأن يتجاوز مصلحته الخاصة الضيقة وألا يُحوِّل الآخر إلى مادة تُوظَّف لصالحه؟
|