ما بعد الحداثةمصطلح «ما بعد الحداثة» مصطلح نفي سلبي، وهو ترجمة لمصطلح «بوست مودرنيزم» («post-modernism» أو «post-modernism». وقد تُستخدَم كلمة «بوست مودرنيتي post modernity» للدلالة على الشيء نفسه. وأحياناً يُطلَق على مصطلح «ما بعد الحداثة» تعبير «ما بعد البنيوية» (بالإنجليزية: بوست ستراكتشراليزم post-structuralism) باعتبار أن فلسفات ما بعد الحداثة قد ظهرت بعد ظهور وسقوط (الفلسفة) البنيوية. ويكاد مصطلح «ما بعد الحداثة» يترادف مع مصطلح «التفكيكية». وللتمييز بينهما، يمكن القول بأن «ما بعد الحداثة» هي الرؤية الفلسفية العامة، أما «التفكيكية» فهي بالمعنى العام أحد ملامح وأهداف هذه الفلسفة. فهي تقوم بتفكيك الإنسان، كما أنها منهج لقراءة النصوص يستند إلى هذه الفلسفة. ويجب ملاحظة أن اصطلاح «ما بعد الحداثة» يكتسب أبعاداً مختلفة بانتقاله من مجال إلى مجال آخر، فمعنى «ما بعد الحداثة» في عالم الهندسة المعمارية يختلف، من بعض الوجوه، عن معناه في مجال النقد الأدبي أو العلوم الاجتماعية. وقد بيَّنا أن المشروع التحديثي العقلاني المادي كان يحوي عناصر تفكيكية معادية للإنسان داخله وأن المتتالية التحديثية بدأت تتحقق تدريجياً فمرت من عصر التحديث إلى عصر الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وهي النقطة التي تصل عندها المتتالية التفكيكية إلى نهايتها. ويمكن تشبيه ما بعد الحداثة بالفلسفة السوفسطائية (بروتاجوراس [480 ـ 410 ق.م] وجورجياس [ ؟ ـ 375 ق.م] وغيرهما)، وهي فلسـفة مادية عـدمية تماماً نادت في بـداية الأمر، بأن الإنسان مقياس كل شيء، شأنها في هذا شأن المنظومة التحديثية في عصرها البطولي، ولكنها تدريجياً بدأت تزيح الإنسان عن المركز، وتحل محله الطبيعة/المادة، ثم انتهى الأمر بالسوفسطائيين أن أنكروا أية حقيقة كلية نهائية متجاوزة لحواسنا، فلا يوجد ما يُسمَّى «روح العالم» أو «العقل الكلي» خلف الظواهر المتغيرة التي ندركها من خلال حواسنا. ومن ثم أصبح كل إنسان حبيس حواسه (قصته الصغرى) والحواس تختلف باختلاف الأشخاص. ولذا أصبحت المعرفة المستقلة عن الحواس مستحيلة. ولذا يمكن إنكار الوجود ذاته: لا شيء موجود، وإن وُجد شيء فلا يمكن أن يُعرَف، وإذا أمكن أن يُعرف فلا يمكن إيصاله للغير. وإذا لم يكن هناك معرفة مشتركة فلا تُوجَد بالتالي قوانين أخلاقية خارجية يخضع لها الناس جميعاً. ولا يوجد قانون عام مُؤسَّس على العدالة إذ ليست هناك عدالة عامة بالمعنى الذي يفهمه الناس، فالقوانين من اختراع الأقوياء ليخضعوا بها الضعفاء، ولذا يحق للإنسان القوي أن يَخرُج على القانون إن استطاع ذلك. والدافع الأساسي لسلوك الإنسان هو الأنانية، وإذا أصبح الإنسان خيِّراً فهذا ليس بسبب خير أو شر مفطور فيه وإنما بسبب عملية التنشئة الاجتماعية والفكرية. والمجتمع في حالة صراع دائم يسود فيها منطق البقاء للأصلح، أي أن السوفسطائيين نجحوا في دفع كل المقدمات المادية إلى نتائجها المنطقية العدمية. ويمكن القول بأن الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة هو انتقال من مرحلة مادية صلبة ورثت كثيراً من مقولات الأفلاطونية والمسيحية بعد علمنتها إلى مرحلة مادية سائلة تشبه مقولاتها مقولات الفلسفة السوفسطائية. ويمكن تلخيص المقولات الأساسية لرؤية دعاة ما بعد الحداثة فيما يلي: 1 ـ الأنطولوجيا: يرى دعاة ما بعد الحداثة (دريدا مثلاً) أن الأنطولوجيا الغربية بدأت مع أفلاطون وظلت أفلاطونية حتى النخاع. وجوهر المنظومة الأفلاطونية هو الإيمان بوجود عالم المُثُل (عالم الحق المطلق والمُثُل الثابتة، وهو عالم كلي متجاوز لعالمنا له هدف وغاية) من جهة، ومن جهة أخرى عالم المادة والتغير الذي يحجب عالم المُثُل، أي أن ثمة ثنائية أساسية في المنظومة الأفلاطونية تُعبِّر عن نفسها في ثنائية الدال (المحسوس) والمدلول (المتجاوز) وانفصال الواحد عن الآخر. ورغم أن عالم المادة يحجب عالم المُثُل فإن المنظومة الأفلاطونية تذهب إلى أن بإمكاننا التوصل إلى معرفة إنسانية من خلال الحواس والعقل ويمكننا توصيلها من خلال اللغة. ولكن كل ما نصل إليه من معنى هو ظلال لهذا العالم الكلي الثابت المتجاوز (يُطلق عليه أنصار ما بعد الحداثة «الحضور» أو «المدلول المتجاوز»، وهو معادل «الإله» في الديانات التوحيدية)، أي أن المعنى الذي نصل إليه يستند إلى ميتافيزيقا التجاوز، فثمة علاقة وثيقة حتمية بين ما يُسمَّى «الحقيقة» وبين ما يُسمَّى «الميتافيزيقا». ويُلاحَظ أن الحواس والعقل واللغة، كلها، مجرد آليات للوصول إلى الهدف النهائي، أي المعنى الكلي الثابت المتجاوز ذي الغرض، وهو الحقيقة، ولذا فهذه الآليات تُعتبَر ثانوية بالنسبة للأصل وتأتي بعده في الدرجة والمنزلة. والمشروع التحديثي الغربي (في إطار العلمانية الشاملة) يقف على الطرف النقيض من هذه الرؤية الأفلاطونية الثنائية، فهو مشروع يهدف إلى إلغاء الثنائيات كافة وإلى فرض الواحدية المادية على العالم بحيث لا تُوجَد كليات من أي نوع، مادية أو روحية، ولا يوجد مبدأ واحد نهائي يمنح العالم التماسك والوحدة. والمشروع ما بعد الحداثي بهذا المعنى هو التحق النهاذي لمشروع الحداثة في محاولته القضاء على خرافة الميتافيزيقا وعلى أوهام الفلسفة الإنسانية الهيومانية بشكل كامل عن طريق القضاء على خرافة الحقيقة الكلية، فمثل هذه الحقيقة الكلية تستدعي عالماً متماسكاً متجاوزاً لعالمنا المادي المتبعثر. وإذا كان المشروع التحديثي يستند إلى ثنائية الذات المتماسكة التي تتفاعل مع موضوع متماسك داخل إطار الكل الثابت الذي يشير حتماً إلى الأصل المتجاوز (المدلول المتجاوز)، أي إلى الإله أو على الأقل إلى ظلاله، فإن "مشروع" ما بعد الحداثة (إن كان من الممكن تسميته كذلك) يحاول أن يزيل هذه الظلال فيعكس الآية وينكر الأصل المتجاوز أو أي أصل من أي نوع. فالكل المادي المتجاوز الذي له معنى لا يبقى منه سوى ماديته، والحقيقة كامنة في الحقائق، والكل كامن في الأجزاء المادية التي لا يربطها رابط، وكل حقيقة وجزء منغلق على ذاته، لكلٍّ مركزه، والعالم في حالة حركة دائمة وتَغيُّر دائم ولكنه ليـس بالضرورة تطـوراً ذا معنى وقصـد. وهذا هو جوهر ميتافيزيقا ما بعد الحداثة، فهي تفترض أن العالم مادة في حالة حركة دائمة: لا أصل لها ولا قصد. وتتسم كل مفاهيم ما بعد الحداثة (انظر: «الاخترجلاف» ـ «الهوة» ـ «الدال والمدلول») بهذه السمات الجـوهرية، ورغم أنهـم يصفـونها بأنها حـالة لا حضور ولا غياب، فإن جوهرها سلبي له صفات محددة، فميتافيزيقا ما بعد الحداثة ميتافيزيقا سلب تستند إلى حضور جوهر سلبي (انظر: «الهوة»). وكل هذا يعني غياب أي مركز أو مرجعية أو معيارية ومن ثم أية ثنائية. ولذا، فإن أنصار ما بعد الحداثة يعتبرون مجرد استخدام كلمات مثل «يقين» أو «دوافع» أو «حق» أو «ذات» سقوطاً في الميتافيزيقا، وذلك باعتبار أن مثل هذه الكلمات تتضمن إشارة إلى حقائق. وبطبيعة الحال، لا تعترف ما بعد الحداثة بثنائية الذات والموضوع (التي ظهرت بحدة مع ظهور العقلانية المادية)، وهي تحل إشكالية الثنائية الصلبة عن طريق السيولة الشاملة. فالذات لا تعرف مراكز مادية أو روحية، ولذا فهي لا يمكن أن تحدد هويتها ولا أن تتمتع بأي تماسك، وخصوصاً أنها تم تفكيكها وردها إلى المادة وإخضاعها للحركة التي من حولها. والموضوع ذاته ينطبق عليه نفس الوضع، فهو في حالة حركة، وكل شيء فيه عرضي إذ لا يوجد شيء ضروري. وهذا يعني، في واقع الأمر، أن الذات مساوية للموضوع ومنفصلة عنه تماماً، أي أن كل الأمور متساوية تماماً ومنفصلة تماماً ومختلفة تماماً. ولكن إذا كانت الذات جزءاً من واقعها المتحرك المتغير فهي حرة تماماً، إرادة كاملة ولكنها إرادة لا علاقة لها بالموضوع. وعلى كلٍ، فمن المستحيل للذات أن تصل إلى الموضوع، فالموضوع مساو لها ومنفصل عنها، ولذا فإن الحرية التي تمارسها الذات هي حرية لا تتجاوز حدودها وليست في نطاق موضوع آخر، ولا تدخل أبداً عالم التحقق الموضوعي، فهي محصورة بحدودها. وغياب المرجعية هذا يعني أن الحالة الإنسانية متعددة بشكل متطرف ونهائي، وأن البشر مُقسَّمون إلى وحدات متعددة لا يربطها رابط (إنسانية مشتركة). وكل هذا يعني سقوط الأسس التي يستند إليها الذات والموضوع واتصالهما، فتسقط الثنائية وتسود الواحدية. ولذا، لا يمكن الحديث في واقع الأمر عن ذات أو عن موضوع أو عن أية معـيارية من أي نوع، أو عـن أية مرجـعية، مادية كانت أم روحـية، إنسـانية كانت أم موضوعية، إذ تسود التعددية المفرطة التي هي في واقع الأمر تعبير عن غياب أي مركز أو أساس وعن طبيعة بشرية مشتركة. إن ظلال الإله قد اختفت تماماً، وأدركت الذات أن الاستنارة المظلمة قد خيمت على العالم فتكيفت مع حالة اللامعيارية باعتبارها حالة كلية نهائية. وإذا كان الحقيقي هو العقلاني (المادي) في عصر التحديث وهو المادي المتغير في عصر الحداثة، ففي عصر ما بعد الحداثة لا يوجد أي أساس للتمييز بين الحقيقي والزائف، وبالتالي فلا حقيقي ولا زائف. | |