الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة فى الحضارة الغربية (عصر التحديث والحداثة)

نمط الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة هو النمط السائد في الحضارة الغربية الحديثة منذ عصر النهضة حتى منتصف الخمسينيات تقريباً (حين تبدأ المرحلة السائلة الشاملة). ويتبدى النمط في المفاهيم الفكرية السائدة والتطور التاريخي والواقع الاجتماعي والحضاري اليومي. ولنا أن نلاحظ أن الطبيعة/المادة تتحول إلى المطلق العلماني والتنويعات المختلفة عليه (الحتمية التاريخية ـ حركة التاريخ ـ إرادة الشعب ـ الفولك ـ إرادة القوة ـ عبء الرجل الأبيض ـ الدولة المطلقة ـ السوق/المصنع ـ قوانين العرض والطلب). أما الإنسان فبدلاً من أن يصبح الإنسان الطبيعي/المادي فإنه يصبح الإنسان الاقتصادي أو الإنسان الجسماني أو الإنسان الاشتراكي أو الإنسان القومي. ورغم تغيُّر الأسماء فالمسميات واحدة والنمط واحد: فالإنسان (القومي أو الاشتراكي) يحاول أن يؤكد ذاته بشكل مطلق وينتهي به الأمر أن يُستوعَب في إحدى المطلقلات العلمانية بشكل كامل. وفي هذا المدخل سنحاول أن ندرس تبديات النمط على هذه المستويات الفكرية والتاريخية والاجتماعية وسنرمز للتمركز حول الذات الإنسانية بالحرف (أ) والتمركز حول الموضوع المادي بالحرف (ب).

1 ـ  النزعة الإنسانية والنزعة الطبيعية المعادية للإنسان:

أ )  بدأ تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة بالفلسفة الإنسانية الهيومانية التي تتمركز حول الإنسان وتضعه بشكل كامل فوق الطبيعة، باعتبار أن له عقلاً قادراً على توليد معياريته وقيمه وغائيته من داخله يعيش في حالة حرية كاملة وإرادة واعية. فالإنسان، أو الإنسانية جمعاء، هي موضع الحلول ومركز الكون. ثم تحوَّلت هذه الهيومانية تدريجياً إلى فلسفة إنسانية غربية متكبرة متعجرفة تحوسل الطبيعة وتحلم بالتحكم الكامل في الكون. ثم أصبح الإنسان الغربي هو وحده هذا المركز (فالإنسانية جمعاء، مفهوم ميتافيزيقي، ماهيةً وجوهراً، متجاوز لعالم الطبيعة/المادة، والزمان والمكان). ومن ثم، بدلاً من توظيف الطبيعة وتسخيرها للإنسانية جمعاء بدأ الإنسان الغربي في حوسلة بقية البشر والطبيعة باسم حقوقه المطلقة وباسم تفوقه الحضاري. فتحولت الهيومانية إلى إمبريالية كاملة لا تعترف إلا بالقوة والتفوق العرْقي باعتبارها المعايير الوحيدة. وهكذا تدهورت الهيومانية الغربية إلى إمبريالية وعرْقية وعداء صريح للآخر وللإنسان ككل.

ب)  كانت الفلسفة الغربية منذ البداية تحوي نموذجاً متمركزاً حول الطبيعة/المادة والإنسان الطبيعي (ماكيافللي ـ هوبز ـ المادية الميكانيكية ـ العدمية ـ التجريبية) ولكنه كان هامشياً. وبالتدريج، تراجع النموذج المتمركز حول الإنسان وتزايد التمركز حول الموضوع وانتهى الأمر بظهور نزعة واحدية مادية معادية للإنسان تطالبه بأن ينفض عن نفسه وهم الكون المتمركز حول الإنسان والوهم الهيوماني القائل بحرية الإنسان وبمقدرته على توليد معياريته وغائياته من داخل ذاته، وتُبيِّن له أن الطريق الوحيد أمامه هو أن يُذعن للقوانين المادية الحتمية المنفصلة عن القيم والغائيات الإنسانية (وهو ما يعني النفي الكامل للحرية) وأن يستمد منها معياريته. ثم سادت النماذج الكمية التكنوقراطية.

2 ـ  المفهوم الكالفني للإله:

أ )  الإله يُعبِّر عن نفسه في شواهد مادية محسوسة تزيد يقين المؤمن بخلاصه واصطفائه، وهو إله يذوب في الأفراد ويتجسد من خلالهم (انتصار الذات).

ب)  الإله لا يُسبَر له غور، فهو يختار من يشاء ومتى يشاء دون سبب واضح، ولا يكترث بالأفراد، فهو إله متمركز حول ذاته غير الإنسانية (انتصار الموضوع على الذات).

3 ـ  الإنسان البروتستانتي:

أ )  هو فرد مختار يغزو العالم باسـم الإله (فهو تَجسُّد للإله)، واثق من نفسـه ومن مقدرته على الغزو (تمركز حول الذات).

ب)  ولكنه فرد يعيش في حالة عدم أمن وفي خوف كامل مما حوله، فهو غير متأكد من رضاء الإله عنه ومن الخلاص، وهو دائم البحث عن شواهد في العالم المادي تقوم دليلاً على هذا الرضا وهذا الاختيار. والثروة من أهم علامات الاختيار، ولذا فهو يلهث دائماً وراءها لا يكف عن مراكمتها (تمركز حول الموضوع).

4 ـ  ثنائية العقل الإمبريالي النيتشوي والعقل الأداتي البرجماتي (النفعية الداروينية):

أ )  يستطيع العقل المادي أن ينظر إلى نفسه باعتباره تجسيداً لقوانين الطبيعة/المادة، وللمعيارية المشتقة منها والتي تتجاوز القيم والغائيات الأخلاقية والإنسانية. ولذا يتخلى هذا العقل تماماً عن مفهوم الإنسانية العامة أو المشتركة أو الإنسانية جمعاء باعتباره مفهوماً غائياً أخلاقياً ميتافيزيقياً يمثل شكلاً من أشكال الثبات داخل حركة المادة وصيرورتها، وشكلاً من أشكال التجاوز لقوانين الطبيعة/المادة. ويعلن هذا العقل أنه فوق الجميع وأنه مرجعية ذاته، ويصبح من حق العقل الإمبريالي المطلق أن يفعل ما يشاء للدفاع عن مصالحه وتحقيقها، ومن ذلك توظيف الآخرين وحوسلتهم. هذا العقل الإمبريالي هو عقل السوبرمن من أعضاء النخبة، ممن هم فوق الإنسان. ولكن العقل الإمبريالي الذي يُوظِّف يفترض وجود المادة التي تُوظَّف، ومن هنا يظهر العقل الثاني.

ب)  العقل المادي يمكنه أن ينظر إلى نفسه باعتبار أن وظيفته الأساسية هي التكيف مع المعيارية الطبيعية/المادية والإذعان لقوانين الطبيعة/المادة، وحينئذ يصبح العقل المادي عقلاً أداتياً، أي عقل السبمن من أعضاء الجماهير، ممن هم دون الإنسان الذين يؤدون ما يوكل لهم من أعمال ويُوظَّفون في خدمة السوبرمن دون تساؤل عن المضمون الأخلاقي والإنساني للأوامر التي أتتهم من عل. وهؤلاء السبمن لهم أسماء برجماتية مختلفة: الإنسان البرجماتي ـ الإنسان الوظيفي ـ الإنسان الاقتصادي ـ الإنسان ذو البُعد الواحد ـ الإنسان المُرشَّد أو المُدجَّن ـ الإنسان المُتشيِّئ، وهو إنسان يمكن توظيفه وحوسلته بسهولة ويسر، فهكذا يدرك ذاته وهكذا يرى نفسه.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الرابع من المجلد الأول