تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية
«تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي هيومانايزيشن dehumanization» وهي تعني إنكار وقمع تلك الصفات والأفكار والنشاطات التي تُميِّز الإنسان عن غيره من الكائنات ومنع تحقيق الإمكانيات الإنسانية للإنسان (مقابل خصائصه الطبيعية المادية التي يشترك فيها مع غيره من الكائنات). ومن ثم، يمكن القول بأن العبارة مترادفة مع كلمة «اغتراب».
وتُستخدَم العبارة للإشارة إلى تلك الاتجاهات في الحضارة الحديثة التي تُجرِّد الإنسان من إنسانيته وتَحوِّله إلى شيء ضمن الأشياء، أي تستوعبه وتُسلِّعه وتُنكر عليه حرية الاختيار والمقدرة على التجاوز وتحقيق كليته الإنسانية المركبة المتجاوزة للحتميات الطبيعية المادية وللأنماط الطبيعية المتكررة.
ورغم أن الكلمة تتواتر في العلوم الاجتماعية الغربية لوصف جانب مهم من حياة الإنسان في العصر الحديث، فإنها تظهر بشكل واضح في الأدب والنقد الأدبي. فقد رصد الأدب الحداثي بعناية فائقة الكيفية التي يتحول بها الإنسان إلى ما هو دون الإنسان في "الأرض الخراب" التي تكِّون العصر الحديث.
أما في النقد الأدبي، فالموضوع أكثر تواتراً. وقد لاحظ لوكاتش ما سماه بسقوط الذات المتكاملة وسقوط الشخصية في الأدب، وهو ما يعبِّر عن تزايد معدلات تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية. فالشخصيات الأدبية في القرن التاسع عشر شخصيات لها سمات فريدة متكاملة تتطور فرديتها من خلال التفاعل الاجتماعي، أما شخصيات الأدب الحداثي فهي تعيش في عزلة كاملة بين عناصر مجردة متصارعة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها أو تواجه ألغازاً لا حل لها أو عالماً عبثياً لا معنى له. ويُلاحظ لوكاتش أن الشخصية في الفن التعبيري والتكعيبي يتم تفكيكها ثم يعاد تركيبها على أسس هندسية ولكنها تختفي تماماً في الفنون التجريدية.
وهذا أيضاً هو الموضوع الأساسي في مقال خوزيه أورتيجا يي جاسيت (1883 ـ 1955) "تجريد الفن من الخصائص الإنسانية". فهو يرى أن الفن الغربي (حتى القرن التاسع عشر) كان يتعامل مع الواقع المعاش، ولذا كان ممتلئاً بمضمـونه الإنسـاني، وكانت الأفكار الفنية تشير إلى أشياء في عالم الطبيعة. أما في القرن العشرين، فقد جُرِّد الفن من خاصيته الإنسانية وأصبح فناً غير إنساني، لا لأنه لا يحتوي على أية سمات إنسانية وإنما لأنه متجرد بشـكل واع من أية خاصية إنسـانية. وتظهر لا إنسـانية هذا الفن في تحاشيه الأشكال الحية (بل اشمئزازه منها، وهو ما يُعبِّر عن اشمئزاز كامل من الحضارة الإنسانية بأسرها). وفي محاولة تحاشي أي مضمون إنساني أو حي، أصبح الفن يشبه اللعبة التي لا تخضع إلا لقوانينها هي. وهذا الفن لا يتعامل مع موضوعات الإنسان الكبرى وإنما هو فن صغير يرفض المحاكاة ويلجأ للرموز المغلقة ولكشف عناصر المفارقة. وهذا الفن لا رسالة له بل يؤكد أنه ليست له أية نتائج ذات طابع متجاوز. والسمة الأساسية هنا هي تراجع ما هو إنساني ومتعيِّن وحي وظهور ما هو نمطي شيئي مجرد، غير إنساني، واحديّ ماديّ.
|