الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













تعريف مفهوم "العلمانية" عند بعض المفكرين العلمانيين فى العالم العربى

تتأرجح التعريفات العربية لمفهوم العلمانية بين العلمانية الجزئية (الإنسانية ـ الأخلاقية) والعلمانية الشاملة (المادية ـ العدمية):

1 ـ  يرى محمد عابد الجابري مفهوم العلمانية جزءاً من التشكيل الحضاري الغربي الذي يعني "فصل الكنيسة عن الدولة". ويعتبر أن مفهوم العلمانية غريب عن الإسلام لأنه يرى أن "الإسلام ليس كنيسة كي نفصله عن الدولة"، وعلى هذا فالعلمانية ليست قضية الفكر العربي. ولذا أكد الجابري ضرورة استبعاد مصطلح «العلمانية» من قاموس الفكر العربي لأنه لا يُعبِّر عن "الحاجات العربية الموضوعية" ويرى تعويضه بشعاري الديموقراطية والعقلانية، لأنهما يُعبِّران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي. والديموقراطية لديه تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد وحقوق الجماعات. والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج. ويؤكد الجابري أن هذه المفاهيم تتصالح مع الإسلام، "فلا الديموقراطية ولا العقلانية تعنيان بصورة من الصور استبعاد الإسلام"!

2 ـ  ويذهب الدكتور وحيد عبد المجيد إلى أن العلمانية (في الغرب) ليست أيديولوجية أو نظاماً فكرياً، وإنما مجرد موقف جزئي يتعلق بالمجالات غير المرتبطة بالشئون الدينية. ويُميِّز الدكتور وحيد عبد المجيد بين «اللادينية» و«العلمانية»، فهو يرى أن الصراع بين الملوك والسلطة البابوية وظهور العلم التجريبي المنفصل عن الدين وسيادة مفهوم سلطان العقل هو الذي أدَّى إلى ظهور العلمانية اللادينية. ولكن بعد الثورة الفرنسية نحت العلمانية الغربية منحى وسطياً يختلف بوضوح عن الاتجاه اللاديني ويدافع عن التسامح الديني. ولا تقوم العلمانية بهذا المعنى المعاصر على الفصل بين الدين والدولة كما هو شائع لدينا، وإنما على الفصل بين الكنيسة (أو الدين عموماً) ونظام الحكم. كما لا تقيد دور الدين في المجتمع، لأنه مجتمع حر أساسه المؤسسات الخاصة، وتتمتع فيه الكنائس والمؤسسات الدينية بإمكانات واسعة. ولذلك ظلت المسيحية نشيطة في كل الدول العلمانية، وتمارس أنشطتها الداخلية والخارجية بلا قيود ولا يتعارض ذلك مع حرية العقل، التي من نتاج رسوخ الديموقراطية قبل كل شيء.

-  والتعريفات السابقة للعلمانية لم تعطها صفة العالمية والشمول، كما قلَّصت من نطاقها لتشير إلى المجال السياسي، وربما الاقتصادي، ولم تمتد بأية حال لتشمل المجالات الأخرى للحياة (الحياة الخاصة ـ القيم الأخلاقية ـ القيم الدينية) ومن ثم فهي تعريفات لعلمانية جزئية لا تشمل كل جوانب الواقع ولا كل تاريخ البشر، وتسمح بوجود حيز غير علماني (مطلق ـ كلي ـ نهائي ـ غائي ـ غير مادي) يسمح بانفصال الإنسان عن الطبيعة وبإمكانية تجاوزه لها، ويترك مجالاً واسعاً للمطلقات الإنسانية الأخلاقية والدينية، ولفكرة الجوهر والكليات، بل لقدر من الميتافيزيقا. ولذا فهذه العلمانية تتسم بقدر من الثنائية (غير المادي مقابل المادي ـ الإنساني مقابل الطبيعي ـ المطلق مقابل النسبي ـ الأخلاقي مقابل غير الأخلاقي ـ الكلي مقابل الجزئي ـ الثابت مقابل المتغير) كما تتسم بقدر من التعددية الحقيقية ولا تتبنَّى النماذج الواحدية الساذجة. بل يمكن القول بأن المرجعية النهائية للعلمانية الجزئية هي عادةً مرجعية غير مادية، لأن الرؤية المادية الحقـة لا تقبل التجزئـة ولا الثنائيـة ولا التجريد ولا تجاوز سـطح الحركة الدائمة.

3 ـ  ولهذا السبب نجد مفكراً علمانياً بارزاً مثل الدكتور فؤاد زكريا يصف العلمانية بأنها "الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة" ويلتزم الصمت بشأن مجالات الحياة الأخرى (الاقتصاد ـ الأدب ـ الجنس... إلخ). ولكن الدكتور فؤاد زكريا في كتيبه المهم المعنون في النموذج الأمريكي يصف المجتمع الأمريكي بأنه "مجتمع مادي"، بل من "أكثر المجتمعات مادية في عالمنا المعاصر" التي تُعرِّف الإنسان باعتباره كائناً "لا يعمل إلا من أجل المزيد من المال، ومن الأرباح، ومن المستوى المادي المرتفع". يرفض الدكتور فؤاد زكريا هذه المادية العدمية التي تودي بالإنسان ويضع مقابلها "القيم الإنسانية والمعنوية"، ثم يطرح رؤية للإنسان مختلفة عن الرؤية المادية التي تهيمن على المجتمع الأمريكي. فما يحرك الإنسان ـ حسب هذه الرؤية الإنسانية ـ "ليست الماديات وحدها... لأن في الإنسان قوى تعلو على السـعي المباشر إلى الكسـب والاقتناء"، أي تعلو على المادية. ويبدو أن هذه هي المرجعية الثنائية التي تجعل من الإنسان إنساناً.

4 ـ  ويذهب محمود أمين العالم إلى أن العلمانية ليست مجرد فصل الدين عن الدولة وإنما هي "رؤية وسلوك ومنهج". وهذه الرؤية "تحمل الملامح الجوهرية لإنسانية الإنسان وتعبِّر عن طموحه [الثنائي] الروحي والمادي للسـيطرة على جميع المعـوقات التي تقف في طريق تقدمه وسعادته وازدهاره". كل هذا يعني أن علمانية د. العالم لا تسقط في النسبية والعدمية ولا ترفض فكرة الكل والجوهر والروح والمطلق. في هذا الإطار لا غرو أن الأستاذ العالم يرى أن العلمانية لا تُعارض الدين "بل لعل العلمانية تكون منطلقاً صالحاً للتجديد الديني نفسه بما يتلاءم ومستجدات الحياة والواقع".

-  وقد يُقال إن كلمة "روح" هنا (كما هو الحال في كتابات الدكتورفؤاد زكريا وكثير من العلمانيين العرب) تنبع من المعجم الهيجلي حيث لا تمييز (في نهاية الأمر) بين الروح والمادة. ولكننا لسنا في نهاية الأمر والتاريخ بعد، ولذا تظل الروح (رغم كل أبعادها المادية والتاريخية) منفصلة عن المادة وحركتها، وتظل الثنائية قائمة (حتى لو كان البرنامج الفلسفي لهؤلاء الكُتَّاب يزعم أنه تَجاوزها).

5 ـ  وتقف التعريفات السابقة للعلمانية، التي تسمح بقدر من الثنائية وباستقلال الظاهرة الإنسانية، على طرف النقيض من التعريفات المادية المصمتة الشاملة الواحدية. فالدكتور مراد وهبة يجعل من العلمانية ظاهرة واحدية نسبية، فهي "تحديد" للوجود الإنساني بالزمان والتاريخ" (أي بالنسبي "دون مُجاوَزة لهذا العالم")! ولذا يَخْلُـص الدكتور مراد وهبـة إلى أن العلمانيـة هـي التفكير في "النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق"، وهي نسبية مطلقة لأنها تحدد الوجود الإنساني والطبيعي، أي كل شيء. كل هذا يعني في واقع الأمر أن ثنائية الإنساني والطبيعي (والمادي والمعنوي) قد تم محوها تماماً، ويتحول الإنسان إلى كائن طبيعي (حيوان طبيعي/اجتماعي) يستنبط معلوماته من التجربة الحسية وأخلاقه من حركة الطبيعة/المادة. وكل ما هو إنساني يُرد في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى أصول مادية وتاريخية. وهذا يدخل بنا في عالم العلمانية الشاملة والواحدية المادية والنماذج أحادية الخط التي لا تعرف مطلقات ولا ثوابت ولا ثنائيات ولا منحنيات ولا خصوصيات ولا كليات. ويُلاحَظ من ثم تَراجُع الإنسان في هذا العالم المصمت واندماجه الكامل في الطبيعي وخضوعه وإذعانه له. ويرى الدكتور وهبة أن العلمانية "هي المسار الإنساني في حضارتنا"، أي حضارة كل البشر في كل زمان ومكان، أي أن العلمانية والعولمة شيء واحد. وقد قام الدكتور وهبة بالدفاع عن التطبيع مع إسرائيل وتأييد تحالف كوبنهاجن بقوله إن ما دفعه إلى هذا إيمانه بفلسفة التنوير القائلة بأنه "لا سلطان على العقل إلا للعقل وحده" (وهذا هو أحد تعريفاته للعلمانية أيضاً!). (ومع هذا، رغم صلابة الدكتور وهبة وواحديته إلا أنه يتأرجح أحياناً ويتحدث عن الإنسان باعتباره مطلقاً، ومن ثم نجد رواسب ميتافيزيقية عنده لم ينجح في التخلص منها تأخذ شكل الإيمان بالطبيعة البشرية).

6 ـ  ويتغـنى الكاتب السـوري (المقيم في باريس) هاشـم صالح بطريقة صوفية عن أوربا، فهو يتحدث عن "أوربا علمانية، متحررة، عقلانية، لا أثر للأصولية الدينية فيها"، كما يتحدث عما يسميه "معجزة الحداثة" عن "حظ أوربا أو سر تفوقها على بقية سكان العالم، ونجاحها الذي يخطف الأبصار". بعد هذه الغنائية الصوفية في وصف المعجزة العلمانية بنورها المتدفق يبيِّن لنا الأستاذ صالح مفتاح الجنة. لقد قامت أكبر ثورة علمية وروحية في تاريخ البشرية في أوربا، وأتت بما يسميه "الصورة العلمية" وهي "صورة الكون الفيزيائي الموحَّد الخاضع للقوانين (والمرجعية) الصارمة للفيزياء الرياضية، وراحت هذه الفيزياء الرياضية تُفسِّر الظواهر كافة سواء في مجال العلوم الطبيعية أم في مجال العلوم الإنسانية"، أي أن سمة الجنة هي أن الإنساني يخضع للقوانين الصارمة للفيزياء الرياضية، أي يختفي تماماً، فهذا هو المسار الطبيعي في حضارتنا.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الرابع من المجلد الأول