الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













القداسة بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية

«القداسة» لغةً هي الطهر والبركة. ويتغيَّر المعنى بتغيُّر مجال تطبيقه:

1 ـ  حينما تشير الكلمة إلى الإله، فإنها تعني الكمال الإلهي والتنزه عن الموجودات، ولذا يُقال: «تَقدَّس الإله» بمعنى «تنزَّه»، و«قدَّس فلان الإله» بمعنى «عظَّمه وكبَّره ونزَّهه عما لا يليق بالألوهية». وجاء في التنزيل "ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك". ولذا، فالقداسة تعني الانفصال عن عالم الطبيعة والمادة، وهو معنى أساسي للكلمة داخل المنظومة التوحيدية.

2 ـ  حينما تطبق الكلمة على البشر، يكون معناها الطهارة وحلول النعمة أو البركة. كما يمكن أن يكون معناها الطهر الذي يصل إليه الإنسان باتباع تعاليم الإله وبفعل الخير وتحاشي الشر. والمعنى الكامن هنا أن الإنسان يتطهر من أدران المادة مثلما يتنزه عن الطبيعة. وعلى هذا يُقال: «قدس الإله فلاناً» بمعنى «طهَّره وبارك عليه»، و«قدَّس الإله تقديساً» بمعنى «طهَّر نفسه له».

من الواضح، إذن، أن تعريفات القداسة التي وردت في معاجم اللغة العربية تدور أساساً في إطار المنظومة التوحيدية. وقد وردت السمات التالية في معاجم علم الاجتماع باعتبارها السمات الأساسية للمقدَّس:

1 ـ  غير خاضع للتقييم النقدي الذي يقتصر على ما هو زمني.

2 ـ  المقدَّس يكون دائماً موضع احترام ممزوج بالخشية.

3 ـ  لا يمكن انتهاكه أو الخروج عليه.

4 ـ  عادةً ما تستلزم الموجودات المقدَّسة أن يقوم الإنسان حيالها بطقوس (دينية) وخصوصاً عند التجائه إليها أو معاملته لها أو اقترابه منها أو اتصاله معها مادياً أو معنوياً بأية صورة من الصور.

5 ـ  يُستخدَم مصطلح «المقدَّس» مقابل «المدنَّس» (الحرام مقابل المباح)، وهي ثنائية تعرفها جميع المجتمعات الإنسانية تقريباً.

6 ـ  والشيء المقدَّس ليس مقدَّساً في ذاته وإنما نظراً لارتباطه بمصدر القداسة وإشارتها له، ولذا فإن ما قد يكون مقدَّساً في مجتمع قد يكون مدنَّساً في مجتمع آخر.

7 ـ  والأشياء المقدَّسة يمكن أن تكون الآلهة والأرواح والملائكة، كما يمكن أن تكون الكائنات الخارقة للطبيعة أو حتى ينبوع ماء أو شجرة أو حجر أو قطعة نسيج أو فصيلة حيوانية، بل قد تكون الألفاظ والعبارات والصيغ الكلامية والأنغام الترتيلية أشياء مقدَّسة. ويمكن أيضاً أن تكون مفاهيم مجردة مثل: الأمة ـ القبيلة ـ أرض الوطن.

8 ـ  جميع المجتمعات الإنسانية تستند إلى عقائد تعرف ما هو مقدَّس (مطلق) وغير خاضع للتقييم (من وجهة نظرها) وما هو مدنَّس ومباح (ونسبي).

والشيء المقدَّس تتحدد قداسته بسبب صلته بمصدر القداسة وتتحدد درجة قداسته بمدى قُربه أو بُعده عن هذا المصدر.

لكل ما تقدَّم، لابد أن نشير إلى مفهومين مختلفين للقداسة، أحدهما داخل إطار المرجعية المتجاوزة (المنظومة التوحيدية) والآخر داخل إطار المرجعية الكامنة (المنظومة الحلولية). فالمصدر الأوحد للقداسة في الإطار التوحيدي هو الإله العلي القدير، والقداسة التي تفيض منه ليست أمراً مادياً متجسداً يفيض على الأشياء فيتخلل ثناياها، وإنما هو أمر غير منظور وغير مفهوم، تماماً مثل سمات الإله. فحينما نقول «عمت بركة الإله» فإننا نعني: «فاضت رحمته». وإذا كان الإله مصدر القداسة الأوحد، فإن جوهر قداسته يعني انفصاله عن الموجودات وتنزُّهه عنها. ولذا، حينما توجد أشياء مقدَّسة في المنظومات التوحيدية، فإنها تكون مقدَّسة بمعنى مجازي غير حرفي أو أيقوني، وتظل قداستها مرتبطة تماماً بكونها تشير إلى الإله العلي ولا تجسده. ويلخص عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) علاقته بالحجر الأسود (وعلاقة المسلم بالمقدَّسات) حينما قبَّل الحجر الأسود قائلاً: "إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبِّلك ما قبَّلتك". فالحجر لا يعي، ولذا فإن عمر (رضي الله عنه) لم يقبِّله لأنه مقدَّس في حد ذاته أو بسبب خاصية كامنة فيه، ولكنه قبَّله لأنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفعل ذلك ففعل مثله، أي أنه قبَّله من قبيل الطاعة والاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وسلم).

ولذا، فإن الشيء المقدَّس في إطار المرجعية المتجاوزة (المنظومة التوحيدية) هو دال يشير إلى المدلول المتجاوز، مع الاحتفاظ بمسافة بين الدال والمدلول، وهي مسافة لا يمكن تجاوزها بأية حال. ولكن الإنسان قد تفيض فيه القداسة بشكل جزئي وتنقص المسافة بينه وبين الخالق إن هو حوَّل  المسافة التي تفصل بينه وبين الخالق إلى مجال للتفاعل معه. ويمكن إنجاز هذا إن حاول الإنسان الوصول إلى الصفاء والكمال الأخلاقيين باتباع تعاليم الإله التي أرسل بها في رسالته، ومن خلال الاستقامة والخلاص من الأدران والشوائب اللاخلقية والنزعات والميول البهيمية الغريزية (التي تدفعه نحو عالم الطبيعة/المادة، والواحدية المادية الكونية، بعيداً عن الإله).

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التصوف التوحيدي، فعن طريق المجاهدات النفسية والتجارب الصوفية والزهدية، وما إليها من الممارسات،  تتطهر النفس البشرية من أدرانها وترقى في معارج قدسية بالمعنى المجازي، فهو تقرُّب من الخالق لا يسد المسافات وإنما يحوِّلها إلى مجال للتفاعل، ومن ثم لا يمكن أن يلتصق المتصوف بالإله أو يفنى فيه أو يتوحد معه، فالإنسان هنا ليس دالاً بلا مدلول وليس دالاً يبحث عن مدلول، وإنما هو دال محدد له مدلول إنساني محدد لا يستطيع الإنسان اختزاله أو التخلي عنه أو تجاوزه وإنما يمكنه تحقيق إمكاناته الربانية الكامنة فيه عن طريق التواصل مع الإله والتقرب منه دون إلغاء المسافة (الحيز الإنساني) التي تفصل بين الخالق والمخلوق. والشعائر علامة على الطريق الذي لا نهاية له، وليست صيغة سحرية على المؤمن تملُّك ناصيتها. وإذا حاول الإنسان أن يؤدي الشعائر، بحذر شديد ودقة بالغة، فهذا من قبيل الطاعة والرغبة في الانتماء للجماعة والتقرب من الله، تماماً كما فعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما قبَّل الحجر الأسود.

وعادةً ما يحاط الشيء المقدَّس بمجموعة من المحرمات الطقسية بحيث لا يقترب الموجود العادي من النظام المقدَّس إلا إذا قام بطقوس تمهيدية وتطهرية تؤهله للاتصال به. وداخل الإطار التوحيدي، يُعَد هذا تعبيراً عن الخشوع للمدلول المتجاوز والمصدر الأوحد للقداسة، وعن احترام الإنسان للخالق وإدراكه لقداسته، بمعنى تجاوزه وتنزُّهه، وعن إدراكه لوجود الحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق. ولذا، فإن على الإنسان أن يقوم بشعائر الطهارة هذه (لا يمسه إلا المطهرون). ومع هذا، لا يصبح الشيء المقدَّس مصدر القداسة أو مكمنها أو تجسيداً لها؛ إذ يظل جزءاً من النظام الدلالي التوحيدي ويظل مصدر القداسة الأوحد هو الإله.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثالث من المجلد الأول