الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













المؤشر بين النماذج الاختزالية والمركبة

كلمة «المؤشِّر» من فعل «أشَّر»، وهو من الألفاظ العربية المحدثة، وتقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة «إنديكيتور indicator». والمؤشِّر هو عادةً جسم متحرك (إبرة أو عقرب) يتحرك على سطح به مقياس. وتدل حركة المؤشِّر على التحولات التي تطرأ على شيء آخر، فالإبرة التي تُوجَد في عداد السرعة في السيارة تدل على السرعة، أما الإبرة التي تُوجَد في جهاز قياس الضغط، فتدل على الضغط، وتدل عقارب الساعة على الزمن. ويُلاحَظ أنه تُوجَد هنا علاقة بين شيئين: جسم مادي يشاهده المرء بشكل مباشر، وشيء آخر غير منظور يجرى قياسه مثل السرعة والزمن وضغط الدم في الإنسان أو الضغط الجوي.

وتُستخدَم كلمة «مؤشِّر» في العلوم الإنسانية لنفس الهدف. فالمؤشِّر عنصر ما في الواقع تمكن ملاحظته بسهولة، والتحولات التي تطرأ عليه تدل على التحولات التي تطرأ على مفهوم مجرد. وبسبب هذه العلاقة يمكن جمع المعلومات والبيانات عن المفاهيم المجردة (الطبقة ـ المكانة ـ الأسرة) من خلال المؤشِّر بحيث يتعمق إدراكنا لكل هذه المناهج وبنيتها، كما يمكن رصد التحولات التي تطرأ عليها.

ويتراءى للبعض أن علاقة المؤشِّر بالواقع مباشرة تماماً تشبه علاقة العقل بالواقع أو علاقته بالمعلومات، وذلك في الرؤى الموضوعية المتلقية المادية (صفحة بيضاء تنطبع عليها معطيات الواقع الحسية دون تَدخُّل الرؤى والرموز والذكريات والإرادة والمقدرة والمصالح على خداع الذات وتجاوزها)، كما تشبه علاقة المثير بالاستجابة في النماذج السلوكية إذ لا توجد مسافة تفصل بين الواحد والآخر. ولكن المؤشِّر لا يتحرك في فراغ أو على صفحة بيضاء، فهو مرتبط دائماً بالنموذج الإدراكي أو التفسيري الذي يحكم رؤية من يستخدم المؤشِّر، وقد يكون المؤشِّر تعبيراً عن نموذج مركب (ولنسمه «المؤشِّر المركب»)، ولذا فإن علاقته بالواقع ستكون مركبة لأنه يشـير إلى الواقع في مسـتوياته المختلفة الظـاهره والباطنة والبرانية والجـوانية وأبعاده المتنوعة دون اختصار أو اختزال. وهو سيدور في إطار رؤية تفسيرية اجتهادية تدرك تماماً أن معرفة بعض جوانب الواقع ممكنة، أما معرفة كل جوانب الواقع فأمر إمبريالي مستحيل. وقد يدور المؤشِّر في إطار نموذج اختزالي (ولنسمه «المؤشِّر الاختزالي») فتصبح مهمته اختزال الواقع. فالمؤشِّر الاختزالي ـ شأنه شأن النماذج الاختزالية ـ يتعامل مع الواقع (متضمناً الإنسان) باعتباره ظاهرة بسيطة واضحة، خاضعة للسببية الصلبة المباشرة الكاملة؛ الظاهر هو الباطن، والسطح لا يختلف عن الأعماق، والظاهر يكشف ما في الباطن بسهولة ويُسر، والسطح يشف عما تحته بدون عناء. والدوافع الإنسانية بسيطة واضحة يمكن رصدها، ولذا فإن الإنسان يسلك حسب نمط متكرر مسبق، ولذا يَسهُل التنبؤ بما سيفعل كما يتصور السلوكيون (وهم حالة متطرفة من أصحاب المؤشِّرات الاختزالية الكمية [المادية]). ويظن صاحب المؤشِّر الاختزالي أن مؤشِّره أو مؤشِّراته يقينية نهائية صلبة وما عليه إلا أن يتسلح بها وينظر للواقع بشكل موضوعي محايد (متجاهلاً السياقات المركبة المتداخلة والأبعاد التاريخية والتركيبات النفسية والرموز متعددة الأوجه). وهو عادةً ما يحوِّل الكيف إلى كمّ، بل إنه يدرك الكيف باعتباره كماً (فعلم اجتماع عشة الدجاج لا يختلف بالنسبة له عن علم اجتماع المنزل الإنساني) ثم يعبئ جداوله التي لا تنتهي بالبيانات وهو فطن دائماً إلى أنه أحاط بكل جوانب الواقع وشرحه تماماً بشكل موضوعي باهر.

وصاحب المؤشِّرات الاختزالية جاهز دائماً بآلياته الرصدية وجداوله البحثية واستبياناته، ولكنه جاهز بالدرجة الأولى بأطروحته الاختزالية التي تُفسِّر كل شيء ويُردُّ إليها كل شيء. فالأمور إن هي إلا: عناصر اقتصادية ـ صراع من أجل البقاء ـ دوافع جنسية ـ شهوة للسلطة ـ مؤامرة بلشفية ـ مؤامرة يهودية ـ مؤامرة إسلامية متطرفة. ويتم الرصد في إطار هذه الأطروحة وتُستخدَم المؤشِّرات للتوثيق الذي لا ينتهي. وبذلك يصبح المؤشِّر ليس طريقة لاكتشاف الواقع وإنما لتسطيحه وتبسيطه وتسويته.

ينظر صاحب المؤشِّرات الاختزالية حوله جاهزاً بأطروحاته البسيطة، ويتحول كل ما حوله إلى مؤشِّرات تثبت ما يؤمن به دون أي قلق أو اجتهاد أو إشكاليات. وبدلاً من اكتشاف الواقع وإعادة اكتشافه، يقوم هو بعملية رصد موضوعي متلقٍ وتوثيق سطحي. فإن اشترك يهودي أمريكي في مظاهرة من أجل إسرائيل، فإن الأمور منتهية والدلالة واضحة، فالظاهر والباطن واحد، والمثير والاستجابة متصلان. فاشتراك هذا اليهودي في مثل هذه المظاهرة دليل صلب لا يُدحَض على أنه صهيوني متعاطف مع إسرائيل. وإن ضُبطت مجموعة من المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية، فإن المسألة أيضاً منتهية، فهذا مؤشِّر صلب على أن اليهود أشرار ينشرون الفساد في الأرض. وإن قررت الولايات المتحدة نقل سفارتها إلى القدس، فإن المسألة واضحة وسهلة وتنهض دليلاً على سطوة اللوبي الصهيوني. وإن صرح أحدهم أن أبواب الهجرة من الاتحاد السوفيتي ستُفتَح أمام اليهود فهذه ولا شك جريمة العصر إذ من المتوقع أن تهاجر الملايين، لأن الأطروحة السائدة أن اليهود يهاجرون إلى إسرائيل كلما سنحت لهم الفرصة!.

وما يغيب في هذه الاستجابات هو الإحساس بتركيبية الواقع وأن الظاهر ليس هو الباطن. ومن ثم، فإن الأطروحات البسيطة لا تكفي، والمؤشِّرات الواضحة البسيطة لابد أن تثير في أنفسنا الشك. فالإنسان ظاهرة مركبة إلى أقصى حد، ظاهرة تحوي داخلها عناصر لا يمكن بأية حال ردها إلى النظام الطبيعي (الوعي ـ الحس الخلقي ـ الحس الجمالي ـ المقدرة على مراقبة الذات وتغييرها ـ المقدرة على فعل الخير وعلى فعل الشر بشكل واع ونتيجة اختيار حر ـ المقدرة على استخدام الرموز في العمليات الإدراكية). وهذه العناصر تتجلى في أشكال ملموسة مختلفة، ولكن إدخالها في شبكة السببية الصلبة والتوصل إلى مؤشِّرات مادية عليها أمر عسير في معظم الأحيان ومستحيل في بعضها، ولعل هذا هو سبب صعوبة التنبؤ بسلوك الإنسان. ولكن يظل من الضروري، مع هذا، استخدام المؤشِّرات والتعميم منها، فبدونها لا يمكن رصد الواقع ولا يمكن رؤية الأنماط الكامنة وراء سيل المعطيات والمعلومات ولا يمكن أن يقوم علم. ولكن لابد أن تحاول المؤشِّرات أن تفلت من قبضة النماذج الاختزالية التي تُجمِّد الواقع وتُسطِّحه، وأن ندرك عدة قضايا أساسية عند استخدام المؤشِّرات.

1 ـ  لعل من الواجب أن ندرك قصور المنطلقات المعرفية للنماذج الموضوعية المتلقية المادية التي تظن أن الإنسان إن هو إلا ظاهرة طبيعية، ويجب تَبنِّي منطلقات الرؤية التفسيرية الاجتهادية التي تنطلق من ثنائية الإنسان والطبيعة والتي تؤكد أن الإنسان ليس إنساناً طبيعياً وإنما إنسان غير طبيعي، رباني، إنساني. هذا الاختلاف بين الإنسان والطبيعة (المادة) يُعبِّر عن نفسه في الاختلاف بين المؤشِّر في العلوم الطبيعية والمؤشِّر في العلوم الإنسانية. ولنأخذ على سبيل المثال مستوى التعميم الذي يمكن أن يطمح إليه الباحث. إن أي علم لابد أن يستند إلى قدر من التعميم، وإلا لما أصبح علماً. ولكن التعميم في العلوم الطبيعية يصل إلى مستويات أعلى بكثير من المستويات التي تصل إليها العلوم الإنسانية، إذ أن عنصري الزمان والمكان بالنسبة للعلوم الطبيعية ليسا في أهميتهما بالنسبة للعلوم الإنسانية. ولذا، فإننا نجد أن التعميم في العلوم الإنسانية يكون بمثابة إطار عام يتم من خلاله تصنيف مجموعة من الظواهر، وتظل كل ظاهرة محتفظة بخصوصيتها واستقلاليتها عن الإطار الكلي. ومن هنا، فإننا نجد أن التعميم في العلوم الإنسانية يظل لصيقاً إلى حدٍّ ما بالمادة المستخدمة في الوصول إلى التعميم. ولذا، فإنه يُقبَل في العلوم الإنسانية بقدر من التناقض بين النظرية والظواهر المختلفة لا يُسمَح به في العلوم الطبيعية. كما يُلاحَظ أن التعميمات في العلوم الإنسانية كثيراً ما يتم تعديلها من خلال عملية التطبيق، ذلك لأن العلاقة بين المؤشِّر (العام) والظاهرة (الخاص) في العلوم الإنسانية علاقة حلزونية تبادلية. فنحن يمكن أن نصل إلى تعميم مفاده أن الجماعات الوظيفية اليهودية، بعد ظهور الدولة القومية، تتحول عادةً إلى طبقات متوسطة. ويمكن تعريف الطبقة المتوسطة من خلال الدخل والمكانة وأسلوب الحياة، ويمكن استخدام هذا كمؤشِّر عام. ولكن، عند التطبيق، لابد أن نَلزَم الحذر، فأعضاء الجماعات اليهودية من أعضاء الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة ليس لهم أية خصوصية، وإن كان ثمة خصوصية فليس لها أهمية تفسيرية كبيرة. أما في جنوب أفريقيا، في إطار المجتمع الاستيطاني، فإنها تصبح طبقة متوسطة استيطانية، الأمر الذي يمنحها خصوصية لها قيمة محورية في عملية التفسير، فعلاقة الطبقة المتوسطة في جنوب أفريقيا بالطبقة العاملة السوداء تختلف تماماً عن علاقة الطبقة الوسطى في بلد مثل فرنسا مع الطبقة العاملة فيها. أما في أمريكا اللاتينية، فإن قولنا إن أعضاء الجماعات اليهودية انخرطوا في صفوف الطبقة المتوسطة هو من قبيل التجاوز. فهم طبقة متوسطة من ناحية الدخل والمقاييس الخارجية والمهنية، ولكنهم مع هذا احتفظوا ببعض ملامح الجماعة الوظيفية المالية. ومن بين هذه الملامح العلاقة مع النخبة الحاكمة، إذ أن أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية كانوا غير مُمثَّلين (حتى عهد قريب) في النخبة الحاكمة بسـبب التكـوين الحضاري الخاص للمجتـمعات اللاتينيـة. فرغم أنها مجتمعات استيطانية، إلا أنها لم تصل إلى درجة عالية من العلمنة والانفتاح كما حدث على سبيل المثال في الولايات المتحدة.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الأول