النموذج التوليدى والنموذج التراكمى
يتبدَّى الصراع بين النموذج الموضوعي (المتلقي) المادي مع النموذج التفسيري (الاجتهادي) في النقاش الدائر حول الإدراك كعملية توليدية تراكمية، أو كعملية تراكمية وحسب. فالعقل (حسب الرؤية الموضوعية المادية) جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة خاضع لقوانينها لا يتجاوزها، فهو صفحة سلبية بيضاء تسجل الواقع بشكل شبه فوتوغرافي. وعملية الإدراك حسب الرؤية الموضوعية هي عملية تلق تتراكم من خلالها المعطيات الحسية على عقل الإنسان (ذرة على ذرة ـ معلومة على معلومة ـ حقيقة بجوار حقيقة). وهي عملية ترابطية إذ تترابط هذه المعطيات بشكل تلقائي آلي. والإنسان، حسب هذه الرؤية، هو إنسان طبيعي/مادي، ولذا فإن ثمة تصوراً بأن ثمة قانوناً طبيعياً/مادياً عاماً واحداً يسري على كل الظواهر المادية والإنسانية، ومن هنا الإيمان بوحدة العلوم وبإمكانية تطبيق النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية والنماذج الكمية على الإنسان. وثمة تَصوُّر بأن كل الناس (والعلماء) يسألون الأسئلة نفسها ويصلون إلى الإجابات نفسها (إن توافرت الظروف الموضوعية)، ومن ثم فإن عملية تراكم المعرفة عملية مستمرة تتبع خطاً مستقيماً واضحاً وتتم على مستوى الجنس البشري بأسره، ومن هنا ظهور النماذج واحدية الخط (بالإنجليزية: يوني لينيار unilinear) التي ترى أن ثمة نقطة واحدة تتقدم نحوها المعرفة ويتم الحكم على المعرفة من منظور مدى اقترابها من هذه النقطة أو ابتعادها عنها. والمفروض أن عملية التراكم هذه ستؤدي إلى التزايد التدريجي لرقعة المعلوم وإلى تَحكُّم الإنسان في الطبيعة وفي نفسه، وهذا ما سميناه «النموذج التراكمي». وهذا المفهوم هو المفهوم الأساسي الكامن في فكر هوبز وماكيافيللي وإسبينوزا ولوك وفكر حركة الاستنارة وعلم النفس الترابطي والسلوكي والفلسفة الوضعية وغيرها من الفلسفات المعادية للإنسان والتي تحاول إزاحته عن مركز الكون.
ولكن هناك من يرى أن العقل ليس صفحة بيضاء، وإنما هو أداة نشيطة مبدعة في أثناء أبسط عمليات الإدراك والتلقي، ولذا فهو قادر على تجاوز الطبيعة/المادة. وهذا النقد يضرب بجذوره في الرؤية المتمركزة حول الذات والإنسان التي تجعل عقل الإنسان هو موضع الكمون ومن ثم تؤكد فعاليته واستقلاليته عن الطبيعة/المادة (وبالتالي حريته ومقدرته على الاختيار). وأصحاب هذه الرؤية يذهبون إلى أن الحقيقة ليست نتيجة تراكم معطيات حسية على صفحة العقل المادية وعمليات التجريب، فليست كل المعرفة مكتسبة، إذ أن ثمة جزءاً هاماً من المعرفة الإنسانية يُولَد من داخل عقل الإنسان نفسه (ومن هنا تسمية هذا النموذج «النموذج التوليدي»)، وهذا الجزء هو الذي يجعل المعرفة الإنسانية إنسانية ومركبة وجوانية ومستعصية للرصد السلوكي البراني من خلال نماذج العلوم الطبيعية والكمية. والأفكار المركبة ليست نتيجة ترابط آلية تتم بشكل تلقائي بين المعطيات المادية وإنما هو نتيجة لجهد إبداعي من جانب البشر. كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن القانون الطبيعي/المادي العام يسري على بعض جوانب من الإنسان ولكنه لا يسري عليه في كليته، ولا يمكن تطبيق النماذج المسـتمدة من العلـوم الطبيعـية والنمـاذج الكمية على الإنسان. ولعدم وجود قانون عام، فالمعرفة لا يمكن أن تتبع خطاً مستقيماً واضحاً وإنما يعني أن كل إنسان يسأل أسئلة مختلفة نابعة من موقفه ولحظته، وهذا يعني أن الخاص لا يذوب تماماً في العام ولا يفقد أهميته أو قيمته، وأن المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى تزايد تحكُّم الإنسان في الطبيعة والإنسان.
وقد تَجلَّى هذا النموذج من خلال كتابات كثير من الفلاسفة الغربيين لعل أولهم ديكارت (رغم تأرجحه بين النموذج المتمركز حول الطبيعة/المادة والنموذج المتمركز حول الإنسان) والذي أكد وجود أفكار كامنة في عقل الإنسان. وقد كان الفيلسوف الإيطالي جان باتيستا فيكو (1668 ـ 1744) من أهم المدافعين عن المقدرة التوليدية للعقل البشري. وتدور فلسفة كانط حول الأفكار المفطورة في عقل الإنسان (مقولات الزمان والمكان والحس الخلقي والحس الجمالي). كما تَجلَّى النموذج في فكر حركة العداء للاستنارة (الفكر الرومانسي) وكل الفلسفات التي ترفض الرؤية التجريبية والفلسفة الوضعية التي تركز على محاولة اكتشاف بنَى العقل والوعي العميق مثل الفلسفة الفينومينولوجية والوجودية والبنيوية وعلم نفس الجشطالت وعلم النفس عند يونج وبياجيه وعلم اللغة عند تشومسكي. ويشترك كل هؤلاء في أنهم يؤمنون بوجود جوانب في الفكر الإنساني لا يمكن تفسيرها على أساس النموذج التراكمي (الموضوعي المادي)، وهو ما يدل على أنها ليست نتاج التجربة أو تراكم المعطيات الحسية، وأنها تضرب بجذورها في المقدرات الكامنة في عقل الإنسان ومقدرته على إعادة صياغة ما يتلقاه من معطيات مادية من الواقع. وقد أعطى كل مفكر اسماً مختلفاً لهذه المقدرة: الوعي الجمعي بما يحويه من رموز عند يونج ـ النمو حسب بنية كامنة عند بياجيه ـ المقدرة اللغوية عند تشومسكي ـ البنية عند البنيويين. فتشومسكي، على سبيل المثال، وجد أن الطفل الإنساني لو تعلَّم اللغة عن طريق اكتسابها من العالم المادي لاحتاج لسنوات
طويلة من حياته. كما لاحظ أن الطفل يستخدم بعض قواعد القياس ويقوم بعمليات تجريد لم يعلِّمها له أحد، ولا يمكنه اكتسابها بشكل تدريجي عن طريق التعلم، ولذا طرح رؤيته عن العقل التوليدي.
ويُلاحَظ أن العنصر الذي يشير إليه دعاة النموذج التوليدي هو عادةً عنصر يتجاوز العالم المادي الحسي المباشر ولكنهم مع هذا يرون أنه ليس له وجود خارج العالم الطبيعي، فهو عنصر كامن في عقل الإنسان مفطور فيه (عقل الإنسان وليس دماغه) إذ لا يمكن العثور على خلايا مادية داخل هذا الدماغ يمكن أن نشير إليها بشكل تجريبي ونقول: "هذا هو العضو التشريحي الذي تُولَد منه اللغة والأبنية" (أي أن الغدة الصنوبرية التي كان ديكارت يحاول التوصل إليها ليس لها وجود). ويمكن القول بأن مدرسة فرانكفورت التي تؤسس نظريتها النقدية على أساس وجود إمكانية إنسانية كامنة دائمة لا يمكن استيعابها في الوضع القائم هي التي تجعل الإنسان قادراً على التجاوز والنقد، هذه المدرسة تتبنى رؤية توليدية للعقل الإنساني. وغني عن القول أن من يتبنى رؤية مركبة (مادية وروحية) للإنسان، لابد أن يَتبنَّى النماذج التوليدية ويتخلى عن النماذج التراكمية.
ونحن نستخدم في هذه الموسوعة نموذجاً توليدياً. فنحن نؤمن بوجود ما نسميه «الإنسانية المشتركة» (لا الإنسانية الواحدة أو الطبيعة البشرية الثابتة)، وهي مقدرة كامنة في كل البشر تتحقق بدرجات متفاوتة تتحدَّد باختلاف البشر وظروفهم ومقدرتهم على التجاوز. ولكن مهما بلغت درجة تحقُّقها فإن هذه المقدرة الكامنة لا يمكن أن تُردَّ في كليتها إلى العالم المادي. ومن ثم، فنحن نفترض أن ثمة تماثلاً بين البشر وأن من الممكن أن تسلك مجموعة من الأشخاص نفس السلوك بطريقة متشابهة دون أن يكونوا قد أثروا أو تأثروا ببعضهم البعض (بشكل مادي مباشر). فالذي يوجه سلوكهم ويولد أفكارهم هو هذه المقدرة الإنسانية المشتركة. ولكن، ورغم هذا التماثل، إلا أن الواحدية لا يمكن أن تسود، إذ أن كل إنسان وكل مجموعة بشرية تنتج حضارتها التي تحقق إنسانيتها الكامنة من خلال عناصر محدَّدة في الزمان والمكان تعطي هذه الحضارة خصوصية وتفرداً لا تعزلها عن بقية البشر وإنما تبيِّن انتماءهم الإنساني الذي لا يقبل إلا التنوع والتعدد. وإن طبقنا هذا على أعضاء الجماعات اليهودية فيمكننا القول بأن كل جماعة يهودية لها خصوصيتها وتفرُّدها (الذي تستمده من المجتمع الذي يعيش أعضاء الجماعة اليهودية بين ظهرانيه)، ولكنهم مع هذا بشر، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، يشعرون بما نشعر به، ويحبون ويكرهون، وينتصرون وينكسرون، ويتفاعلون مع البيئة التي حولهم فيشكلونها ويتشكلون بها وتتنازعهم النزعات الجنينية والربانية، شأنهم في هذا شأن البشر كافة. وسـلوكهم من ثم ليـس نتيجـة مجموعة أفكار يقرأونها هنا أو هناك وإنما هو نتيجة هذه المقدرة الكامنة فيهم (للخير والشر). ولذا، إذا انخرط أعضاء الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية بأعداد ملحوظة (على سبيل المثال)، فهذا ليس بسبب اكتشافهم الأفكار الماسونية وإنما هو تعبير عن النزوع الجنيني الكامن في الإنسان نحو الحلولية، هذا النزوع قد تَشكَّل من خلال البيئة الفكرية والاجتماعية في أوربا في القرن الثامن عشر وتَصاعُد معدلات العلمنة التي عبَّرت عن نفسها في المراحل الأولى من خلال الفكر الماسوني.
|